أحذية الدكتور طه حسين أو الثقافة فى خطر
مخطئ من يتخذ الثقافة مهنة له ويتكسَّب منها فى عصرنا الحالى، فسيشقى كثيرا لو كانت الثقافة مهنته، وسيصيبه البؤس الشديد واليأس القاتل والمعاناة الأبدية مدى حياته، ومن الأحسن له اتخاذ مهنة أخرى، فكل المهن مربحة ومريحة إلا الثقافة، وإن أراد العيش هنئيا مستريحا فعليه أن يكون مطربا أو ممثلا أو يكون إعلاميا أو يرقى فيكون مستشارا دوليًّا، أو تكون له قناة على اليوتيوب وحبذا لو أتى بغريب الأفعال، أو يكون رجل أعمال انتهازيًّا، أو لاعب كرة دون مهارات، فهذه هى مجالات الربح الوفير وليس فيها عناء وجهد كعناء من يعمل بالثقافة، وكل ما عليه هو استخدام الفهلوة والمفهومية أو المحسوبية.
والمجتمع أيضا لا يشجع على انتشار الثقافة، فكم من مفكر أو مبدع أو شاعر سهر الليل بين أحضان الكتب ليستخرج الدرر والآلئ، لتكون نبراسًا للمجتمع ودفعة قوية إلى الأمام وترويحا عن نفوس المتعبين، لكن المجتمع غافل عن كل ما ينتجه المفكر، غير مبالٍ بما تصدره المطابع، فتظهر كمية محدودة جدا من الكتب لدور النشر، لكنها تعود إلى المطابع مرة أخرى لتستخدم كورق دشت، أو ترجع إلى مؤلفها الذى كان يأمل من إصدارها حدوث رواجٍ فى سوق النشر، وأن تذاع أفكاره بين الناس فيتناقشوا معه ويؤيدوه أو يعارضوه أفكاره، لا يهم، المهم أن يقرأ المجتمع، وهذه هى رسالته التى ينشدها أى كاتب، ولكن تظهر عليه علامات الخيبة والحسرة بمجرد رجوع مؤلَّفِه إليه أو إلى دار النشر، فحاله كحال النجم السينمائى الذى يعرض له فى دور السينما وقاعاتها فيلم، وينتظر أن يحقق الفيلم النجاح المادى والجماهيرى أيضًا، ولكن بعد أسبوع أو عشرة أيام لا يحقق من الإيرادات إلا بضعة آلاف من الجنيهات، وهنا يصاب النجم بالحزن والاكتئاب، وإذا فشل له فيلم آخر فسيبتعد عنه المنتجون وتخفت من حوله الأضواء، ويتزحزح عن أدوار البطولة ويقوم بأدوار أخرى ثانوية، كأن يكون أبًا للبطل الجديد، أو يكون سنيدًا له، وبعد ذلك يكون كل دوره فى الفيلم مشهدًا أو اثنين، هكذا يكون حال الكاتب الذى ينزوى فى ركن من أركان الحياة، وما أكثر الكتاب والمفكرين الذين كانت لهم الأعمال الجيدة المؤثرة فى حياتنا، ومع هذا مرُّوا ولم نسمع عنهم، فلا نعرف مجرد أسمائهم.
وتنتشر المولات التجارية ومحال البقالة وإن أطلقوا عليها بعض الألفاظ كـ”سوبر ماركت” تهذيبا وتخفيفا من لفظ “محل بقالة” الشعبى، وكذلك الصيدليات ومحال الفول والطعمية ومحال الملابس والأحذية، وكل ما يخص الإنسان من مأكل ومشرب وملبس، تنتشر انتشار النار فى الهشيم، وهو الشىء المتفتِّت المتكسِّر، ولكن لا تجد مكتبة خاصة ببيع الكتب الأدبية، وتخلو قرى كثيرة أو مراكز عديدة من عدم وجود مكتبة بها فى زمننا المعاصر، فلم يعد الإقبال عليها كبيرًا كالإقبال على “السوبر ماركت”، ولا يجد الإنسان منا القدرة على قراءة كتاب واحد فى بضعة أيام، بل لم نعد نقرأ الصحيفة اليومية كالأهرام مثلا، ومن ثم تراجع توزيع الصحف تراجعًا مخيفًا، يكاد يهدد حياة الصحافة برمتها، ولكن فى قدرة الواحد منا المكوث ساعات وساعات أمام شاشة التلفزيون أو جهاز اللاب توب أو الهاتف أو التابلت، وهو ما يعنى القدرة على تضييع الوقت.
كل هذا أدى إلى عدم وجود مكتبات، والباحث عنها كمن يبحث عن إبرة فى كوم من القش، وأتذكر أننى عندما كنت طالبًا بالثانوية العامة سنة 2005، كان يوجد باعة للكتب على رصيف الشارع، وكان سعر الكتب فى متناول اليد، أما الآن فمشروع المكتبات مشروع خاسر، لا يغطى تكاليفه فضلا عن المكسب، وقد نجد سلسلة مكتبات فى أماكن متفرقة إلا أنها بعد بضع سنوات أو بضعة أشهر تبدأ فى التصفية أو تطرد موظفيها أو تقلل الرواتب وتبدأ رحلة من المعاناة، وكثير من المكتبات خاصة فى وسط القاهرة أغلق أبوابه، فباعوا أماكنها إلى شركات المحمول أو إلى وكلاء الشركات الكبيرة أو يضم إلى محال الملابس أو الأحذية، وكم كان يؤلمنى هذا! كانت رؤية الكتب فقط تمتع ناظرى.
إن حال المكتبات المتبقية الآن أقرب إلى الاحتضار، أما عن سور الأزبكية فلم يعد كما كان من حيث السعة ورخص الكتاب، إنما هو بضع مكتبات متناثرة حول محطة المترو، ولو ذهبت إلى أصحابها وسألتهم عن أحوالهم فسيخبرونك عن ضيقهم وسخطهم لقلة المورد، فلم يعد الإقبال عليهم كما كان. واذهب إلى شارع الفجالة الذى كان مشهورًا بالمكتبات، الآن ستجد محال السيراميك توغلت فيه، وسحبت البساط من المكتبات، وبدأت هوية الشارع تتغير، كالتغير الذى حدث لحياتنا.
الأمل الحقيقى يتمثل فى الدولة وهو أن تقف إلى جانبهم، وأن تبسط عليهم حمايتها ورعايتها، وأن تمد يد المساعدة لهم، فمثلا أن تخفف من فواتير الكهرباء والمياه والغاز، أن توفر لهم الورق المصقول وبسعر معقول، وكذلك الضرائب.. فلا أمل فى رقى المجتمع مادامت الثقافة منعدمة.
قرأت مسرحية “أحذية الدكتور طه حسين” للكاتب المسرحى الكبير “سعد الدين وهبة“، والمسرحية وإن كانت من فصل واحد إلا أنها تحمل دلالات ومضامين عبَّرت عن طبيعة عصر الانفتاح الذى ساد فى عهد الرئيس الراحل”السادات”، فقد كتبت المسرحية سنة 1977، وقد كشفت المسرحية عما يمكن عدُّه من مساوئ هذا العصر، فقد ظهرت بعض من الانتهازية والانحراف والفهلوة.
المسرحية بها ثلاث شخصيات هى: الحاج “رمضان” صاحب البقالة الذى يريد بيعها؛ لأنها لم تعد تدر عليه الربح الذى كان ينتظره، والبطل الثانى “سعيد” الذى سوَّى معاشه ليتفرغ للقراءة والكتابة، وقد قرر شراء محل الحاج “رمضان” ليحوله إلى مكتبة لبيع الكتب، وجهَّز لافتة واختار اسم “طه حسين” عنوانا لها. والشخصية الثالثة هى الراقصة “كيكى” التى تمتلك “نايت كلوب” بشارع الهرم، ونافست “سعيد” على شراء محل الحاج “رمضان”، واستطاعت أن تقنع “سعيد” بترك فكرة القراءة والكتابة وعمل مكتبة والتفرغ لإدارة شئون محل الأحذية.
ونلاحظ أن الثقافة فى هذا العصر لم تكن لها الأولوية، وأخذ دورها فى التراجع، بل إنها أصبحت تجلب الشفقة الرثاء لمن يعمل بها، فالحاج “رمضان” حاول إقناع “سعيد” بالتخلى عن تحويل محل البقالة إلى مكتبة، فقال له بعد أن عرف أنه ينوى إنشاء مكتبة مكان محله: “مكتبة إيه بس يا أستاذ بس.. مش تشوف شغلانة توكل عيش والا يعنى حضرتك مش شايف الناس ماشية ازاى”، ويؤكد كلامه السابق قائلا:”كُتُب إيه بس يا سيدنا الأفندى.. وحياتك دى شغلانة ما تاكل عيش.. أنا مش بكسر مقاديفك، إنما يعنى أنا بقول اللى فى قلبى”، وفى موضع ثالث يقول:” بس فكَّر كده واسمع كلامى شوف حاجة تانية غير المكتبات دى عشان ماتندمش”، ولما اشترت”كيكى” المحل قال الحاج “رمضان” لـ”سعيد”: “.. اسمع ياشيخ ربنا لازم أراد بيك خيرا.. يمكن كنت حتضيع القرشين فى تجارة مش نافعة”..
إلى هذه الدرجة كان الحاج “رمضان” غير مقتنع تماما بإنشاء مكتبة، ويحاول بكل الطرق أن يثنى المثقف “سعيد” بالعدول عنها، واتخاذ مهنة أخرى، فحالة المجتمع الاقتصادية لا تسمح بشراء الكتب، إضافة إلى ذلك لا أحد لا يقرأ أصلا، وأهون على الإنسان أن يدخن سيجارة من شراء كتاب يستفيد منه، فالحاج “رمضان” إلى آخر لحظة مصمم على أن مشروع المكتبة مشروع فاشل، لن يجنى من ورائه إلا الحسرة والندم.
كما أن الحاج “رمضان” نفسه يعبر عن فئة جديدة من رجال الأعمال الذين آثروا الثراء السريع على حساب القيم والأخلاق، واستغلال الانفتاح الاقتصادى أسوأ استغلال، فقرر بيع محل البقالة، ومشاركة بقال مثله فى فتح “نايت كلوب” بشارع الهرم، نلحظ أن شريكه الآخر بقال، فكأنما أرادوا انتهاز الفرصة ليكونوا من الأغنياء، وكان هذا هو الوضع القائم آنذاك، وكم سمعنا وقرأنا عن القبض على كبار الأثرياء، وما قصة صعود “رشاد عثمان” إلى قمة الثراء والقبض عليه إلا دليل على كلامنا.
أما الراقصة “كيكى” فهى تعبر عن طبقة رأس المال التى هى على استعداد لأن تدفع أى مبلغ من المال نظير السيطرة والتحكم، فعندما علمت أن هناك من اتفق على شراء المحل قبلها عرضت على صاحبه ضعف ما سيدفعه المثقف الذى جمع ماله بشق الأنفس، وكانت ستدخل مزادًا بينها وبين “سعيد”، إلا أن الأخير استسلم لها، لعدم قدرته على مجاراتها، فوقف المال فى كفة والثقافة العلم فى كفة أخرى، فربح المال وانزوت الثقافة، رغم أن محصول الراقصة من القراءة والكتابة صفر، فتكاد “تفك” الخط، ولم تستطع قراءة لافتة كان يريد “سعيد” تعليقها على المحل، فهى أمية جاهلة، وعن علاقتها بـ “طه حسين” نترك الوصف لسعد الدين وهبة:”
– كيكى: (تحاول القراءة) مك.. تبة طه حسين.. مين ده..
– سعيد: دا واحد كده.. يعنى..
– كيكى: أنا فاكراه.. مش فاتح فى شارع الهرم..
– سعيد: فاتح لا.. هو كان ساكن فى شارع الهرم..
– كيكى: مش قلت لك.. هو.. فاتح فى الشواربى..
– سعيد: لا.. إنما يعنى كان زى بتوع الشواربى.. يسافر ويرجع بحاجات كتر قوى..
– كيكى: هدوم..
– سعيد: لا.. فلسفة.. وأدب.. وحاجات من دى..
– كيكى: يا أخى فكرنى.. أنا فاكراه كويس قوى..
– سعيد: ما أنا بفكرك أهوه..
– كيكى: أيوه افتكرت.. دا اللى بيعمله محمود يس فيلم..
– سعيد: أيوه.. عليكى نور..
– كيكى: مش قلت لك.. أنا فاكراه كويس
– سعيد: فعلا.. أنتى الحقيقة مثقفة قوى..”
ومن هنا جاءت تسمية محل الأحذية باسم الدكتور طه حسين، ونقرأ الحوار الساخر بين “كيكى” و”سعيد”:
– كيكى: هايل.. أحذية طه حسين.. رجالى.. حريمى.. بس أنت كنت كاتب على المكتبة دكتور.. هو دكتور صحيح..
– سعيد: مش قوى.. دكتور آداب..
– كيكى: وماله.. يبقى أحذية الدكتور طه حسين.. حتى يمكن الناس تفتكره دكتور بتاع رجلين زى الدكتور شول..
– سعيد: فعلا.. ممكن الناس تفتكره كده”.
وفى الأخير يقرر “سعيد” أن يعمل تحت إمرة الراقصة “كيكى”، كمدير دعاية لمحل الأحذية، طارحًا الثقافة والقراءة والكتابة وطه حسين من رأسه، أما عن كتبه فقد كان ينوى رميها فى النيل، إلا أن الراقصة قالت: “خسارة.. هاتها نلف فيها الجزم”.
إذا كان “سعيد” قد صمد أمام الحاج “رمضان” فإنه لم يصمد أمام الراقصة “كيكى”، وهو ما يعبر عن تراجع قيم المجتمع وأخلاقياته فى عصر الانفتاح، وهو ما أدى بنا إلى هذا الانهيار والانحدار فى كل شىء، ولم تعد للثقافة دور كما كان، وإنما الانتهازية والفهلوة والخطف هى من سمات عصرنا الحاضر.
بقلم. حسين السيد
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام: