الحُضْنُ… لُغَةٌ لَا تُكْتَبُ

nagah hegazy
د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

الحُضْنُ… لُغَةٌ لَا تُكْتَبُ

بِقَلَمِ د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
قَبْلَ أَنْ يَكْتَشِفَ الإِنْسَانُ الكَلَامَ… اكْتَشَفَ الحُضْنَ. فَالطِّفْلُ لَا يَفْهَمُ اللُّغَةَ، لَكِنَّهُ يَفْهَمُ الذِّرَاعَيْنِ. وَالقَلْبُ حِينَ يَنْهَارُ، لَا يَطْلُبُ خُطْبَةً بَلَاغِيَّةً… بَلْ كَتِفًا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ.
فَنَحْنُ لَا نُعَانَقُ بِالأَجْسَادِ فَقَطْ، بَلْ بِالخَوْفِ، وَالحَنِينِ، وَالتَّعَبِ، وَالذِّكْرَيَاتِ، وَكُلِّ مَا فَشِلَتِ اللُّغَةُ فِي قَوْلِهِ.
وَكَمَا قَسَّمَ العَرَبُ الحُبَّ دَرَجَاتٍ، مِنَ “الهَوَى” حَتَّى “الهِيَامِ”، أَقُولُ:
إِنَّ لِلْحُضْنِ مَقَامَاتٍ أَيْضًا؛ فَمِنْهُ مَا يُطَمْئِنُكَ، وَمِنْهُ مَا يُرْبِكُكَ، وَمِنْهُ مَا يُحْيِيكَ، وَمِنْهُ مَا يَدْفِنُكَ حَيًّا دُونَ قَبْر.
فَالأَيْدِي لَيْسَتْ دَائِمًا أَطْرَافًا… أَحْيَانًا تَكُونُ أَوْطَانًا.
١. حُضْنُ الِاحْتِوَاءِ — دَرَجَةُ “الوُدِّ” وَ”الِاسْتِكَانَةِ”: “الوُدُّ” حُبٌّ هَادِئٌ كَنَسْمَةِ الفَجْرِ، وَ”الِاسْتِكَانَةُ” خُضُوعُ الرُّوحِ لِمَنْ تَأْمَنُهُ.
هَذَا الحُضْنُ لَا يَعْرِفُ اللَّهْفَةَ، وَلَا يَحْمِلُ شَهْوَةَ الِامْتِلَاكِ. هُوَ حُضْنُ الأَبِ لِابْنَتِهِ وَهِيَ تَبْكِي، وَحُضْنُ الأُمِّ لِطِفْلِهَا وَهُوَ يَرْتَجِفُ خَوْفًا.
ذِرَاعَانِ تَقُولَانِ بِصَمْتٍ مُهَذَّبٍ:
“الدُّنْيَا كُلُّهَا خَارِجَ هَذَا الإِطَارِ… وَأَنْتَ هُنَا فِي أَمَان.”
هُوَ سَكِينَةٌ تُسْكَبُ عَلَى الرُّوحِ كَالْمَاءِ البَارِدِ عَلَى قَلْبٍ مُحْتَرِق.
نَفْسِيًّا: هَذَا هُوَ “الأَمَانُ التَّعَلُّقِيُّ”، حَيْثُ يُعِيدُ الجَسَدُ إِفْرَازَ هُرْمُونِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَيُدْرِكُ القَلْبُ أَنَّ الخَطَرَ انْتَهَى.
فَلْسَفِيًّا: كَأَنَّكَ تُطَبِّقُ قَوْلَ الغَزَالِيِّ:
“الرَّاحَةُ فِي التَّسْلِيمِ”. فَتُسَلِّمُ رُوحَكَ لِذِرَاعٍ تَثِقُ بِهَا، فَيَهْدَأُ اخْتِنَاقُكَ الدَّاخِلِيُّ.
٢. حُضْنُ الِاشْتِيَاقِ — دَرَجَةُ “الشَّوْقِ” وَ”النَّجْوَى”
الشَّوْقُ هُوَ غُرْبَةُ الرُّوحِ عَنْ نِصْفِهَا، وَالنَّجْوَى هِيَ الحَرِيقُ الَّذِي يَأْكُلُ المَسَافَاتِ. هَذَا الحُضْنُ يَخْنُقُكَ قَبْلَ أَنْ يُرَبِّتَ عَلَيْكَ.
أَوَّلُ لِقَاءٍ بَعْدَ غِيَابٍ، حِينَ يَسْبِقُ القَلْبُ الجَسَدَ، وَتَدْفِنُ وَجْهَكَ فِي كَتِفِ مَنْ تُحِبُّ كَأَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُعَوِّضَ العُمْرَ كُلَّهُ فِي ثَوَانٍ. هُوَ حُضْنٌ يَقُولُ: “وَحِشْتَنِي بِقَدْرِ مَا أَتْعَبَنِي الغِيَاب.”
نَفْسِيًّا: يُسَمِّيهِ العِلْمُ “سَدَّ الفَجْوَةِ العَاطِفِيَّةِ”. فَالغِيَابُ يَصْنَعُ فَرَاغًا، وَالحُضْنُ العَنِيفُ يُحَاوِلُ رَدْمَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
فَلْسَفِيًّا: هُوَ تَجْسِيدٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَبِيٍّ: “مَا اشْتَاقَتْ نَفْسٌ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا وَفِيهِ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِهَا.”
٣. حُضْنُ الصَّمْتِ — دَرَجَةُ “السَّكِينَةِ” وَ”التَّبَتُّلِ”
لَيْسَ كُلُّ حُضْنٍ يُولَدُ مِنَ الحُبِّ…
بَعْضُ الحُضُونِ يُولَدُ مِنَ التَّعَبِ.
هَذَا حُضْنٌ لَا كَلَامَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ خَسِرَ المَعْرَكَةَ. شَخْصَانِ أَنْهَكَتْهُمَا الحَيَاةُ، فَاقْتَرَبَا دُونَ تَبْرِيرٍ. لَا اعْتِرَافَاتٍ، لَا دُمُوعَ، لَا شَرْحَ… فَقَطْ صَمْتٌ دَافِئٌ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ.
هُوَ حُضْنٌ يَقُولُ: “لَا أَمْلِكُ حَلًّا لِوَجَعِكَ… لَكِنِّي لَنْ أَتْرُكَكَ وَحْدَكَ.”
نَفْسِيًّا: العَقْلُ المُرْهَقُ لَا يَحْتَاجُ نَصِيحَةً، بَلْ يَحْتَاجُ شُعُورًا بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَحْرُسُ انْهِيارَهُ.
فَلْسَفِيًّا: الحُضْنُ الصَّامِتُ يُشْبِهُ الدُّعَاءَ الصَّامِتَ؛ لَا أَحَدَ يَسْمَعُهُ، لَكِنَّ الرُّوحَ تَخْرُجُ مِنْهُ أَخَفَّ وَأَنْقَى.
٤. حُضْنُ الوَدَاعِ — دَرَجَةُ “الوَجْدِ” وَ”الوَصَبِ”
هَذَا أَثْقَلُ الحُضُونِ عَلَى القَلْبِ.
تَمُدُّ ذِرَاعَيْكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ سَتُصْبِحُ ذِكْرَى. يَكُونُ طَوِيلًا، بَارِدًا، وَفِيهِ رَعْشَةٌ خَفِيَّةٌ كَرَعْشَةِ الأَشْيَاءِ قَبْلَ انْكِسَارِهَا.
لَا وُعُودَ فِيهِ، وَلَا عِتَابَ… فَقَطْ هَمْسَةٌ مَخْنُوقَةٌ: “خَلِّي بَالَكَ مِنْ نَفْسِكَ.”
نَفْسِيًّا: العَقْلُ يُخَزِّنُ هَذَا الحُضْنَ كَأَرْشِيفٍ سِرِّيٍّ: الرَّائِحَةَ، النَّبْضَ، الدِّفْءَ، وَحَتَّى الِارْتِجَافَةَ.
فَلْسَفِيًّا: هُوَ اعْتِرَافٌ مُؤْلِمٌ بِأَنَّ كُلَّ لِقَاءٍ يَحْمِلُ دَاخِلَهُ بُذُورَ الفِرَاقِ.
٥. حُضْنُ النَّدَمِ — دَرَجَةُ “الكَلَفِ” وَ”العِشْقِ”
هَذَا الحُضْنُ يَأْتِي بَعْدَ كَلِمَةٍ جَارِحَةٍ، أَوْ خِنَاقَةٍ أَفْسَدَتْ مَا بَيْنَ الرُّوحَيْنِ. لَيْسَ قَوِيًّا… بَلْ مُرْتَجِفًا.
تُعَانِقُ وَأَنْتَ تَشْعُرُ أَنَّكَ تَسْتَغْفِرُ بِذِرَاعَيْكَ.
الدُّمُوعُ أَقْرَبُ مِنَ الكَلِمَاتِ، وَالقَلْبُ يَقُولُ: “آسِفٌ… لِأَنِّي جَرَحْتُكَ وَأَنَا أُحِبُّكَ.”
نَفْسِيًّا: يُسَمِّيهِ العِلْمُ “حُضْنَ التَّرْمِيمِ”، حَيْثُ يُخْفِضُ الجَسَدُ هُرْمُونَاتِ التَّوَتُّرِ، وَيُعْلِنُ أَنَّ الحُبَّ أَهَمُّ مِنَ الكِبْرِيَاءِ.
فَلْسَفِيًّا: هُوَ تَوْبَةُ الجَسَدِ؛ فَكَمَا أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ تَوْبَةُ اللِّسَانِ، فَإِنَّ الحُضْنَ المُرْتَجِفَ تَوْبَةُ القَلْبِ.
٦. حُضْنُ العَوْدَةِ — دَرَجَةُ “الهِيَامِ” وَ”الغَرَامِ”
هَذَا الحُضْنُ لَا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ… بَلْ يَطِيرُ. ضَحِكٌ وَدُمُوعٌ وَجُنُونٌ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. تَضُمُّهُ كَأَنَّكَ تَتَأَكَّدُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ حُلْمًا.
لَا لَوْمَ، لَا عِتَابَ، لَا حِسَابَ… فَقَطْ سَجْدَةُ شُكْرٍ صَامِتَةٌ: “الحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ عُدْت.”
نَفْسِيًّا: هُنَا يَبْلُغُ الفَرَحُ ذُرْوَتَهُ؛ فَالعَقْلُ يُكَافِئُكَ لِأَنَّ “المَفْقُودَ عَادَ”.
فَلْسَفِيًّا: هُوَ بَعْثٌ صَغِيرٌ بَعْدَ مَوْتٍ كَبِيرٍ؛ كُنْتَ غَائِبًا عَنِ الحَيَاةِ، فَعُدْتَ إِلَيْهَا بِعَوْدَتِهِ.
الخَاتِمَةُ: مِيزَانُ الحُضْنِ لَيْسَ كُلُّ حُضْنٍ حُبًّا، وَلَيْسَ كُلُّ اقْتِرَابٍ أَمَانًا.
هُنَاكَ حُضْنٌ يُرَبِّتُ عَلَى الرُّوحِ، وَحُضْنٌ يُوقِظُ جُرُوحَهَا، وَحُضْنٌ يُعَالِجُكَ، وَحُضْنٌ يَتْرُكُكَ مُعَلَّقًا فِي نِصْفِ الحَنِينِ.
وَمُصِيبَتُنَا أَنَّنَا نَخْلِطُ بَيْنَ المَقَامَاتِ؛ فَنُعْطِي حُضْنَ اشْتِيَاقٍ لِقَلْبٍ يَحْتَاجُ احْتِوَاءً، وَنَمْنَحُ حُضْنَ عَوْدَةٍ لِعَلَاقَةٍ وَاقِفَةٍ أَصْلًا عَلَى بَابِ الوَدَاعِ.
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ ذِرَاعَيْكَ: فِي أَيِّ دَرَجَةٍ مِنَ الحُبِّ أَنْتَ الآن؟ وَفِي أَيِّ دَرَجَةٍ يَقِفُ مَنْ أَمَامَكَ؟
فَإِنَّ أَخْطَرَ الحُضُونِ… تِلْكَ الَّتِي تُشْعِرُكَ أَنَّكَ وَصَلْتَ، بَيْنَمَا أَنْتَ فِي الحَقِيقَةِ تَبْدَأُ التَّعَلُّقَ فَقَطْ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ أَقْسَى مَا قَدْ يُصِيبُ الإِنْسَانَ، أَلَّا يَفْقِدَ حَبِيبًا… بَلْ أَنْ يَتَذَكَّرَ حُضْنًا لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا.
Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظركإلغاء الرد

error: Content is protected !!
Exit mobile version