المشير محمد عبدالحليم أبو غزالة.. القائد الذي لن يظلمه التاريخ
اللواء أ. ح. سامي محمد شلتوت
لم يكن رجلًا عاديًا مرّ في سجل الدولة المصرية ثم انقضى نحبه، بل كان حالة نادرة في تاريخ الجيوش؛ قائدًا وُلد من رحم الهزيمة، وصعد ليصنع من الانكسار عزيمة، ومن الجيش جدارًا لا يُشترى ولا يُستأجر.
المشير محمد عبدالحليم أبو غزالة شارك مع الضباط الأحرار في ثورة يوليو، وأسهم في إعادة الجيش المصري لثقته بعد نكسة 1967، وكان أحد العقول العسكرية التي شاركت في صناعة عبور أكتوبر 1973. لكنه لم يتوقف عند النصر، بل حلم بما هو أبعد: ميزان ردع حقيقي لا يطلب الإذن من أحد. مشروع «كوندور 2» لم يكن مجرد صاروخ، بل رسالة سياسية مكتوبة بلغة القوة، عبر تحالف استراتيجي مع الأرجنتين والعراق لصناعة صاروخ بعيد المدى، لو اكتمل لما نامت تل أبيب مطمئنة ليلة واحدة.
جرى العمل في صمت قاتل وسرية لا يعرفها إلا القليل، وتم نقل مواد شديدة الحساسية عبر مسارات معقدة من الولايات المتحدة الأمريكية. ثم انكشفت العملية، ووجهت واشنطن الاتهامات لمهندسين وضباط مخابرات، وطالبت القاهرة بتسليمهم فورًا للمحاكمة. وهنا لم يتكلم سياسي، بل تكلّم قائد. قالها أبو غزالة بوضوح لا يقبل التأويل: «لن أُسلّم رجلًا من رجالي، هؤلاء ينفذون أوامري، وأنا وحدي أتحمّل المسؤولية.»
كلمة واحدة كسرت المعادلة وأغلقت باب التفاوض. وعندما تراجعت أمريكا عن قرار التسليم، وأمام تعنّت المشير أبو غزالة، طالبت بمحاكمتهم في مصر، فكان رده حاسمًا: «لا نُحاكم رجالًا عملوا من أجل وطنهم.»
وكان الثمن معروفًا مسبقًا. ففي مارس 1989 صدر قرار جمهوري عاجل من الرئيس مبارك:
- إقالته من منصب وزير الدفاع.
- تعيينه مستشارًا للرئيس.
منصب بلا صلاحيات، وتكريم شكلي، لإقصاء هادئ لقائد لم يقبل الانحناء.
رحل أبو غزالة عام 2008، دون جنازة تليق بقامته، ودون وداع رسمي بحجم تاريخه، وكأن الدولة اختارت الصمت، كما اختار هو الصمت حين أُبعد. لكن التاريخ لا يُغلق ملفاته إلى الأبد.
في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، عاد اسم المشير عبدالحليم أبو غزالة إلى الواجهة؛ أُطلق اسمه على دفعات عسكرية، ورُفعت صوره في احتفالات التخرج بالكليات العسكرية. تكريم متأخر لكنه اعتراف صريح بأن هذا الرجل كان واقفًا في المكان الصحيح من التاريخ، وأن الجيش والدولة المصرية لا تنسى رجالها وأبطالها.
أبو غزالة.. القائد الذي لم يبع رجاله، ولم يساوم على السيادة، وظل شامخًا حتى وهو يُقصى. رحم الله المشير عبدالحليم أبو غزالة، فبعض الرجال لا يموتون، بل ينتظرون إنصاف الزمن والتاريخ. فهم عقل ووجدان كل مصري أصيل يحب مصر.
تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام: