رسائل لا تحتاج لطوابع أو ساعي البريد.. رسالة41
بقلم.عاطف معاوية
أطل من مقهى ريو على عالم آخر عالم هذا الصمت الصباحي.
مقهى فارغ، والبحر هادئ مثلي، أراه يكسر موجه بسرعة وبهدوء ويبني لعبته المتكررة بفرح منذ زمن البدء في هذا الكون الواسع للخيال للحلم.
هكذا أنا أكفُّ عن المألوف، أريد اختراع الجديد، أريد مكانا أعيش به نمطاّ جديدا، في بعض الأحيان أرى الحياةَ أصبحت بئيسة في صنع الأيام الجميلة، تلك الأيام التي تشعر بها وتعطيها ما عندك من جهد لتعيشها بكل ساعاتها.
منذ زمن لم أكتب لك، لا شيء هنا كان قادرا لإعادة تركيب الحياة بداخلي كأنني فقدت شيئا ما، تفككتُ لأربي بداخلي سلحفاة تنتظر معي عودتكِ وعودتي من عبث هذه الأيام، خريفية بائسة ..
لنعلب مرة أخرى لعبة ساعي البريد، لنكتب لنا ولنمشي معا بالكلمات طويلا في شوارع مخيلتنا، مخيلة مفتوحة على زمن جميل مهما كان بعيدا أو قريبا لا يهم، يهم فقط الكتابة والحب والمطر الأول، هل تتذكرين ذلك المساء هنا في مقهى ريو بضبط!
هنا كنا نصنع منا لحظات لا نندم على وجودها بذاكرتنا، لو كان بيدي لعلقتها لوحة على جدار بيتي يا سارة .
البارحة وأنا أتحدث مع فاطمة، فاطمة أصبحت معلمة في مدرسة ابتدائية في قرية جبلية معلقة، قالت لي هذه القرية ينتشر بها الخبر كالبرق؛ بسرعة لا توصف والليل بها مخيف حيث توجد قرب المدرسة التي تعمل بها مقبرة، كل صباح تلتقي بالموتى تلقي عليهم السلام وتمر خفيفة قرب حوض نعناع و بقدنوس وأشجار لوز وزيتون، هي صورة نمطية. أخبرتني قبل أسبوع في رسالة قصيرة مع صورة لطفل يجلس هادئاً بعينين مفتوحتين على غربة السؤال لماذا تلتقط لي المعلمة صورة. قالت لي في أخير الرسالة أن الطفل يشبهني حينما كنت طفلا، تتذكرني وأنا تلميذا في الإبتدائي. ( انه مثلك هادئ وصامت متوازن في كلماته، وفي ابتسامته). أنا لا أعرف الطفل ولم ألتق به لكن قد تكون فاطمة محقة يا سارة لأنها درست معي في الإبتدائي والثانوي، كان ردي لها بكلمات قليلة فقط، ( قد أكون أنا أيضا، تقول جدتي أننا أربعون شبيها، لكن أنا متأكد أنني لست ذلك لأنني أشرب من ماء النبع ولا أحب أن يشبهني أحد ولا أن أشبه أحدا يا فاطمة) .
يا سارة ما زال في وسعنا ترمم ذاكرة هذه القرية، قرية الصيادين، الغابة احترق نصفها في الصيف والبحر هو البحر لم يجد صياديه، والسنارة عالقة في فم الطفل والسمكة وفي عناد هذا الصمت الذي لا أعرف متى ينتهي، تعيش القرية أياما سوداء، لا عمل لا شيء يفتح النفس للحياة، نحن مطالبون بأن نرمم ذاكرتنا وذاكرة هذه القرية، كي لا يذوب كل الملح لوحده في الهواء.. ستكون الخسارة فادحة.
بدأت أتعود على الكتابة في المقاهي، لكنني أجد صعوبة لأن الضجيج يؤلم الفعلَ بأكمله.
سارة، سأعود إلى القرية هنا في مَرْتِينْ (مرتيل كما ينطقها البعض)؛ لا أعرف المشي والعيش أحس بها مفتوحة مشرعة كثيرا وأنا لا أحب المدن التي تفتح حضنها للجميع.
ترددت كثيرا قبل أن أكتب لك هذه الرسالة لكنني فعلتُ، فعلتُ لأنني اشتقت لك وللكتابة ولمحو هذه الأيام التي لا أعرف كيف عشتها وأعيشها، أيام تمر بنا؛ لا نمر بها !
لا أحب أن أُطيلَ عليك، لكنني أحببت أن أذكرك بأننا لا زلنا نمشي إلى الأفق البعيد الذي نراهن أو راهنا من أجله، الكتابة مغامرة ضد الماضي والحاضر؛ سفر مرئي بأحداث مختلفة ومرعبة، الكتابة انتصار لنا رغم غباء هذا العالم وتفاهته التي تزداد كل يوم.
سأودعك الآن، إلى رسالة أخرى يا سارة المحبة لك وللكتابة.
مقهى ريو / مرتين، الخميس 24 نونبر 2022.
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام:
