بقلم: اللواء أ.ح. سامي محمد شلتوت
غرد بالمصري _ السويس
صورة خالدة يراها ملايين المصريين والعرب بل والعالم، دون أن يدركوا عظيم قصتها وعمق قيمتها؛ صورة أراها — دون أدنى مبالغة — من أعظم مشاهد حرب أكتوبر الخالدة. فهي تجسيدٌ حي لإذلال الجيش الذي رُوِّج له بأنه “لا يُقهر”، وقمة الانكسار لقوات الاحتلال الإسرائيلي. وإن لم تُجمع أدلة أخرى على بسالة الجيش المصري في تلك الحرب، فهذه الصورة وحدها تكفي وتزيد.»
إنها صورة تتمنى إسرائيل أن تُُمحى من التاريخ والذاكرة التاريخية.. صورة خالدة فنادراً ما تُسجل لحظات فخار وحدات الصاعقة نظراً لأنها تعمل دائماً خلف خطوط العدو، ولكن إرادة الله أبت إلا أن تُسجل هذه اللحظات الخالدة، ليسبب الأسباب كي تُدون في سجل الفخار والتضحية والفداء والمجد.
صورة تعبر وبفخر عن مقاتلي الصاعقة المصرية وبطولاتهم، يضعها كل ضابط صاعقة وساماً على صدره وفي مخيلته وكبريائه وعزة نفسه وعشقه لبلده أم الدنيا. فالأحداث لا تكذب والتاريخ يخلد؛ فربما لحظة أو صورة بألف معنى ومغزى لرجال التضحية والفداء، رجال لا يهابون الموت فهم مصنع الشهداء في قواتنا المسلحة، يكفي أن أحدهم ينحي الرتبة جانباً ويفضل لقب “الفدائي فلان”.
رسالة الاستسلام الصريحة
«إذا لم نستطع خلال 24 ساعة إرسال التعزيزات إليكم، يمكنكم الاستسلام».
كانت هذه نص الرسالة اللاسلكية المذلة التي وصلت إلى قائد حصن “لسان بورتوفيق” (حصن كواي) بعد حصار دام خمسة أيام متواصلة.
كان داخل الحصن (42) جندياً إسرائيلياً، منهم (5) قتلى و(20) جريحاً أصيبوا بجروح خطيرة. وفي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً يوم 13 أكتوبر، تم استسلام الموقع عن طريق الصليب الأحمر الدولي وُرِفع العلم المصري عليه، ووقع في الأسر (37) فرداً منهم (5) ضباط.
إذلال العلم وتجسيد العزة
أثناء استسلام نقطة لسان بورتوفيق، أصر الرائد «زغلول فتحي» قائد الكتيبة «43 صاعقة» – المكلفة باستعادة نقطة بورتوفيق – أن يكون الاستسلام بالعلم الإسرائيلي لا بالراية البيضاء.
نفذ الإسرائيليون الأمر، وتقدم الملازم أول «شلومو أردنست» قائد الموقع، وخلفه أربعة ضباط إلى حيث يقف قائد كتيبة الصاعقة الأشاوس. وقف أمامه مؤدياً التحية العسكرية بيده اليمنى، ومقدماً العلم الإسرائيلي باليد اليسرى مطوياً ومُنكساً، في واقعة لم تحدث من قبل حيث جرت العادة أن يتم الاستسلام بالرايات البيضاء وليس بأعلام الدول.
هذا الموقف يخلد مشهد العزة والكرامة مقابل الذل والمهانة والإنكسار والخضوع.. عاشت مصر بلادي حرة أبية عصية على كل غادر، وسلمت من كل سوء بفضل أبنائها المخلصين الأوفياء الشرفاء.
