بقلم: حسين السيد
بمناسبة الذكرى الـ51 لرحيل الموسيقار فريد الأطرش (1910- 1974) والتى تحل فى السادس والعشرين من ديسمبر، يطيب استرجاع فصل من فصول مسيرته التى قد يجهلها كثيرون والتى ربطت بينه وبين عميد الأدب العربى طه حسين، يوم أراد الأطرش انتخاب قصة مميزة لفيلمه السينمائى، فظن أنه وجد ضالته فى رواية «دعاء الكروان».
ففى مذكرات فريد «لحن الخلود» التى صاغها الصحفى والكاتب فوميل لبيب وصدرت فى 12 يناير 1975، أى بعد أيام قليلة من رحيل الأطرش، يتضح أن الموسيقار الراحل أراد التغلب على الأزمة النفسية التى ألمت به عقب مقتل أخته المطربة أسمهان فى الحادث الشهير فى الرابع عشر من يوليو سنة 1944. وتكالب عليه ألم الفقد مع الخسارة المالية إثر ممارسته «مراهنات الخيل». وكسبيل إلى مغادرة أحزانه مجتمعة، قرر خوض تجربة الإنتاج السينمائى، فأسس شركة سينمائية، واتفق مع صديقه المخرج هنرى بركات أن يخرج أول أفلامه.
ويوضح فوميل لبيب أن فريد اكتشف أن إنتاج الفيلم سيتكلف ثلاثين ألف جنيه، وأمام إصراره، اضطر إلى بيع «حظيرة» خيله بأربعة آلاف جنيه، كما باع سيارته بثمانمائة جنيه، واقترض من موزع الأفلام عبدالرزاق الجاعونى عشرة آلاف جنيه، وبذلك يكون فريد قد جمع نصف المبلغ تقريبا. ووافق هنرى بركات على الشروع فى الإعداد للفيلم، وذلل العديد من الصعوبات المتبقية، باتفاقه مع «استديو الأهرام»، حتى يدفع فريد بعضًا من الإيجار مقدمًا، والباقى بعد عرض الفيلم، فضلا عن قرار بركات أن لا يتقاضى أجرا إلا بعد سداد ديون «الاستوديو».
واستنادا إلى الدكتور نبيل حنفى محمود، صاحب كتاب «فريد الأطرش ومجد الفيلم الغنائى» الذى استعان بأرشيف مجلات تلك الفترة الزمنية، فإن فريد أدرك مدى ضعف عنصر القصة فى بعض أفلامه، وهو نفسه قد لمس ذلك فى أحاديث النقاد. لذلك اتجه إلى كاتب كبير بغية تحويل قصة من قصصه إلى فيلم، لعله يعالج هذا الضعف الذى عابه عليه النقاد، فيضمن النجاح المادى والمعنوى، ومن يكون هذا الكاتب الكبير غير طه حسين؟!
وبالعودة إلى سيرة فريد «لحن الخلود»؛ تتضح قصة اللقاء الذى جمع بين طه حسين وفريد الأطرش. يقول فريد إنه اتفق وبركات على اختيار قصة «دعاء الكروان» التى صدرت عام 1934 لتكون فيلمه المقبل، فقابلا الدكتور طه حسين بمنزله لتوقيع العقد، وهنا يشهد فريد أنه انبهر بـ«طه حسين»، فيقول: «..أشهد أنى انبهرت بشخصية الرجل الذى يعد فلتة من فلتات ذاك الزمن، واستمتعت بحديثه يطرق به كل المجالات بأسلوب خبير وروح فنان. أما أدبه فهو يجل على المساومات، ولهذا اتفقنا فى دقائق».لكن هنرى بركات، والذى أخرج « دعاء الكروان» لاحقا عام 1959، أدرك بعد قراءة «دعاء الكروان» أنها لا تصلح لأن تكون الفيلم الذى يغامر فريد من أجله بأمواله، لكونه غير مناسب له بالمرة، ومن ثم لن يحقق الفيلم النجاح المنشود. وفى هذا يقول فريد فى «لحن الخلود»: « وعندما عكف بركات على دراسة القصة لإعدادها وجد البطل شريرا يعتدى على الأعراض، ولا يمكن أن يكون مطربا يشدو بأغانى الحب والغرام التى تلمس القلوب وتجتذب الألوف إلى شباك التذاكر. وكانت خطتنا أن يكون الفيلم غنائيا واستعراضيا.. وهذا مما لا يتاح فى قصة درامية أو فى فجيعة فيها سفك دماء وهتك أعراض».
كانت الصحف والمجلات الفنية أذاعت خبر اتفاق فريد مع الدكتور طه حسين على شراء رواية «دعاء الكروان»، وأنه دفع له 600 جنيه، وعندما علمت أن فريد صرف النظر عن الرواية هاجمته، واتهمته بالجهل. وينقل الدكتور نبيل حنفى محمود أن مجلة «الراديو والبعكوكة» كتبت فى عدد الثانى من يونيو 1946 تحت عنوان «جهل فاضح»: «سمع فريد الأطرش بأن هذه القصة صالحة للسينما، ولم يكن قرأها، وهرع إلى الدكتور طه حسين يفاوضه فى شراء القصة، فطلب ألف جنيه، ولكن المفاوضات أسفرت عن 600 جنيه دفعها فريد شيكا على البنك». وبينت المجلة: «عاد فريد يرجو الدكتور طه حسين أن يزيد فى حوادثها وشخصياتها بحيث تصلح للشاشة، وكانت النتيجة أن أضاع 600 جنيه فى الهواء».
هنا يحسم فريد وبركات أمر القصة، فلن يلجآ إلى الأدب لاختيار رواية بعينها لأديب كبير مثلما فعلا مع رواية طه حسين، وإنما سيطلبان كتابة قصة بالمواصفات التى يريدانها، وهو ما حققه لهما بديع خيرى الذى قدم «حبيب العمر»، وينجح الفيلم نجاحا باهرا لم يسبق للسينما أن شهدت نجاحا مثل نجاحه، حتى أن الموسيقار بليغ حمدى وصف هذا النجاح فى مقاله «دفاع عن الضياع الحضارى»، قائلا: «إن أى نجم سينمائى عندما كان يقول عن أحد أفلامه إنه نجح.. فإن السؤال التالى الذى كان يسمعه فورا من الوسط السينمائى فى مصر هو: إلى أى حد كان فيلمك ناجحا؟ هل اقتربت مثلا من نجاح (حبيب العمر)؟ إن السينمائيين كانوا يقصدون (حبيب العمر).. فريد الأطرش، ولقد كان نجاح أفلامه السينمائية هو فى حد ذاته مقياسًا يقيسون به الآخرين».
ويوضح محمود لطفى، محامى فريد وصديقه، فى مقاله «إنها علاقة عُمْر»، كيف وضع فريد معايير اختيار قصص أفلامه، وهى: أن يكون دوره فى الفيلم مطربا أو موسيقارا، وأن تكون القصة عاطفية. وفريد محق فى وضع هذين الشرطين، فلن يتقبله الجمهور فى صورة محام يترافع أمام المحكمة، أو مهندسا يتفقد مواقع التشييد، أو دكتورا يتابع أحوال المرضى، أو غيرها من المهن، وإنما يناسبه أن يكون فنانا مطربا وقد كان كذلك فنانا صادقا ومؤثرا..
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام:
