كيف ينجو الإنسان نفسيًا بعد فقدان الوطن؟
هالة المغاوري فيينا
أجمعت الدراسات النفسية الحديثة على أن تعرّض الإنسان لأهوال الدمار الشامل، و فقدان الوطن، وما يصاحب ذلك من ذلّ اللجوء وانهيار منظومة الأمان، لا يقتصر تأثيره على الجانب المادي أو الاجتماعي فحسب، بل يمتدّ بعمق إلى جوهر الشخصية الإنسانية. فالوطن، في علم النفس، ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد للهوية والكرامة والشعور بالاستمرارية والاعتراف بالذات. وعندما يُنتزع هذا الامتداد قسرًا، يتعرض الفرد لما يمكن تسُميته بـ”جرح الكرامة العميق”، وهو جرح غير مرئي لكنه بالغ التأثير.
هذا النوع من الصدمات يُصنّف ضمن الصدمات المركّبة، لأنه لا يحدث كواقعة واحدة عابرة، بل يتكرر ويتراكم: قصف، تهجير، فقدان، اعتماد قسري على المساعدات، نظرات الشفقة أو الرفض، وانكسار صورة الذات التي كان الفرد يبني عليها معنى حياته. ومع استمرار هذه الضغوط، تبدأ الشخصية بالدخول في حالة اضطراب عميق، قد يصل إلى انقلاب في أنماط التفكير والسلوك والانفعالات.
علميًا، عندما يعجز العقل عن استيعاب حجم الألم والخسارة، يلجأ إلى ما يُعرف بآليات الدفاع النفسي، وهي استجابات لا واعية تهدف إلى حماية النفس من الانهيار الكامل. من أبرز هذه الآليات “الانفصال عن الواقع”، حيث يشعر الإنسان وكأنه يراقب حياته من الخارج، أو يعيش في حالة تخدّر عاطفي، يفقد فيها الإحساس الكامل بالمشاعر، سواء كانت ألمًا أو فرحًا. هذه الحالة ليست ضعفًا، بل محاولة بيولوجية ونفسية للبقاء.
إلى جانب الانفصال، قد يلجأ الإنسان إلى بناء أوهام نفسية، كإعادة تفسير الواقع بشكل أقل قسوة، أو التمسك بسرديات داخلية تمنحه معنى لما حدث، حتى لو كانت هذه السرديات غير دقيقة أو مثالية. فالعقل، في لحظات الخطر الوجودي، يُفضّل الوهم القابل للاحتمال على الحقيقة التي تهدد التماسك النفسي. وهنا يصبح الوهم آلية بقاء، لا هروبًا.
غير أن هذه الآليات، رغم ضرورتها المؤقتة، تحمل مخاطر طويلة الأمد إذا تحولت إلى نمط دائم. فالانفصال المستمر عن الواقع قد يؤدي إلى فقدان الاتصال بالذات وبالآخرين، بينما قد تُفضي الأوهام المتجذّرة إلى صعوبة مواجهة الحقيقة لاحقًا، أو إلى صدام نفسي مؤلم عند أول احتكاك جاد بالواقع.
من هنا، تؤكد الأدبيات النفسية على أن التعافي لا يبدأ فقط بتأمين الاحتياجات المعيشية، بل بإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية، ومنح الأفراد مساحة للاعتراف بمعاناتهم دون تقليل أو إنكار. فالكلام، والسرد، والاعتراف بالألم، هي خطوات أساسية لإعادة دمج الوعي بالواقع، دون سحق النفس تحته.
في المحصلة، ما يعيشه الإنسان بعد الدمار واللجوء ليس مجرد حزن أو صدمة عابرة، بل تجربة وجودية تعيد تشكيل شخصيته من الجذور. وبين الانفصال والوهم، يحاول العقل أن يحمي ما تبقى من الذات. والتحدي الحقيقي لا يكمن في إدانة هذه الآليات، بل في فهمها، وتهيئة الظروف التي تسمح بتحولها من أدوات بقاء مؤقتة إلى جسور تعافٍ حقيقي، يعيد للإنسان إنسانيته وكرامته ومعنى حياته.
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام: