محمد مبروك أيقونة التضحية والوفاء
قال خيرت الشاطر: “محمد مبروك ماينفعش يفضل دقيقة واحدة في أمن الدولة”، فيما كان محمد مرسي يرتجف كلما سمع اسمه، لأنه الشاهد الوحيد في قضية التخابر. ظلوا شهورًا يخططون للتخلص منه، حتى جاء يوم استشهاده.
وعندما حذّره زملاؤه قائلين: “مش هيسيبوك”، أجاب بثبات: “مش مهم.. المهم مصر تفضل موجودة مهما كان الثمن، حتى لو أرواحنا كلها”. لكن الخيانة جاءت من أقرب الناس إليه، إذ سلّم صديقه خط سيره للإرهابيين، فاغتالوه بـ12 رصاصة بعد أن خرج من بيته ليشتري شوكولاتة لابنه زياد.
قبل 25 يناير
كان مبروك مسئول ملف الإخوان في جهاز أمن الدولة، يملك شبكة واسعة من المصادر داخل الجماعة، ويعرف كل تفاصيلها. منذ عام 2004 رصد لقاءاتهم مع المخابرات الأمريكية وتركيا وحماس وحزب الله، وكان الهدف نشر الفوضى للسيطرة على الحكم. محمد مرسي كان أكثر من يتابعه مبروك، لأنه المسئول عن التنسيق مع الخارج. وقبل أيام من الثورة، سجّل له مكالمة مع أحمد عبدالعاطي في تركيا، كما اخترق بريده الإلكتروني وحصل على خطة الجماعة الكاملة. كتب تقريرًا من 35 صفحة، وبسببه أُوقف مرسي و34 من قيادات الإخوان وأُودعوا سجن وادي النطرون، قبل أن يهربوا لاحقًا.
بعد وصول الإخوان للحكم
أول ما فكروا فيه كان التخلص من مبروك. نُقل من مقر أمن الدولة، وتفككت إدارة النشاط الديني. عاش فترة صعبة وسط حملات تشويه ضد الجهاز والداخلية، وكان يتألم حين سأله أبناؤه: “يا بابا، هو الناس بقت تكره الشرطة ليه؟” فأجابهم: “بكرة الناس تعرف الحقيقة”.
كان يفضفض لصديقه المقدم محمد عويس، رئيس وحدة مرور الوايلي، الذي كان يثبطه قائلًا: “كبر دماغك.. محدش هيقولك شكراً”. لكن مبروك ظل وفيًا، حتى أنه كان يرافق والدة عويس في جلسات الغسيل الكلوي عندما ينشغل ابنها. لم يشك يومًا في إخلاصه، حتى جاءت الخيانة الكبرى.

عودة إلى المواجهة
بعد سقوط مرسي، عاد مبروك إلى مقر الأمن الوطني وتولى ملف الجماعة مجددًا. بفضل تحرياته أُلقي القبض على قيادات بارزة، بينهم المرشد محمد بديع. وأعاد فتح ملف التخابر والهروب من السجون، وأعد تحريات دقيقة جعلت القضية جاهزة، وكان الإعدام ينتظر مرسي ورفاقه. عندها صدر القرار: “مبروك يجب أن يموت قبل أن يشهد”.
كلفت الجماعة عناصر “أنصار بيت المقدس” باغتياله، وكانت الصدمة أن صديقه عويس هو من سرّب لهم عنوانه وأرقام هواتفه ومواصفات سيارته وصوره الحديثة، مقابل مليوني جنيه.
يوم الاستشهاد
في 17 نوفمبر 2013، خرج مبروك من منزله الساعة التاسعة والنصف مساءً متجهًا إلى عمله. قبل أن يغادر، طلب منه ابنه زياد شوكولاتة، فاشتراها وأعطاها للبواب ليصعدها للطفل. ثم ركب سيارته، وفي تلك اللحظة حاصره الإرهابيون وأطلقوا عليه وابلًا من الرصاص، فأُصيب بأكثر من 12 طلقة ليسقط شهيدًا.
لكن باستشهاده، كتب نهاية مرسي والإخوان، وأصبح رمزًا خالدًا للتضحية من أجل الوطن.
العقيد محمد مبروك لم يكن مجرد ضابط، بل كان شاهد الحق الذي دفع حياته ثمنًا لصدق كلمته وإخلاصه لمصر. استشهاده جسّد معنى البطولة، وخلّد اسمه في ذاكرة الوطن كأحد أبرز من واجهوا الإرهاب بصلابة وإيمان.
وُلد الشهيد محمد مبروك خطاب بحي الزيتون عام 1974، حيث غرس فيه والده حبّ الوطن والانتماء له. أنهى دراسته الثانوية عام 1991، ثم التحق بكلية الشرطة وتخرج فيها عام 1995، ليقسم في ساحتها على الحفاظ على أمن مصر والوفاء لها. وقد صدق ما عاهد الله عليه حتى آخر نفس في حياته. كان زوجًا وفيًا وأبًا حنونًا لثلاثة أبناء: زينة، مايا، وزياد، ترك لهم إرثًا من الفخر والبطولة، وترك لمصر اسمًا خالدًا في سجل الشرف والتضحية.
بقلم: نجاح حجازي
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام: