حين يُطالَب القلب بالصمت
بقلم أ.د.أحمد سلامة
ليست المشكلة في الإنسان الحساس، ذلك الكائن الذي يرى ما لا يُرى، ويسمع ما لا يُسمع، ويشعر بما لا يجرؤ الآخرون على الاعتراف به. المشكلة في مجتمعٍ يطالبه أن يتألم بصمت، أن يخفي دموعه خلف ستارٍ من التماسك، حتى يظل الآخرون في وهم الراحة.
الحساسية ليست ضعفًا، بل هي قوة الروح حين تلتقط ارتجافات الحياة الدقيقة. هي قدرة على أن ترى الجرح في كلمة، والخذلان في نظرة، والصدق في دمعة. لكن المجتمع، في قسوته، يريد أن يُحوّل هذه القوة إلى عار، وأن يُجبر صاحبها على أن يدفنها في داخله، حتى لا تُعكّر صفو الزيف العام.
الصمت المفروض لا يُداوي، بل يُحوّل الألم إلى ندبةٍ أبدية. الراحة التي ينالها الآخرون من صمت الحساس ليست إلا راحة زائفة، لأنهم يهربون من مواجهة حقيقتهم: أنهم هم السبب في نزيفه. يريدون أن يضحك، أن يتظاهر بالقوة، أن يُخفي ارتجافاته، حتى يظلوا مطمئنين إلى أن قسوتهم لا تُرى.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: الراحة التي تُبنى على إنكار الألم ليست راحة، بل خداع جماعي. هي راحة تشبه النوم على وسادةٍ من شوك، حيث يظن الجميع أنهم في نعيم، بينما الحقيقة أن الدم يسيل تحت القماش.
أيها الإنسان الحساس، لا تُصدّق أن دموعك ضعف، ولا أن صمتك فضيلة إذا كان مفروضًا عليك. دمعتك قد تكون أصدق من ألف كلمة، ووجعك قد يكون مرآةً تكشف زيف العالم. إنهم يريدونك أن تُخفي إنسانيتك، لكنك حين تُعلنها، تُعلن أن الحياة ليست راحة الآخرين، بل صدقك أنت.
