بقلم حمد الترهوني | غرد بالمصري
ليس عيبًا أن تعيش في جلباب أبيك، بل العيب أن تنكر الجلباب الذي علّمك كيف تمشي، وكيف تقف عندما تهتز الأرض من تحت قدميك، وكيف تواجه الحياة بوجه ثابت وقلب لا يعرف الانكسار.
أعيش في جلباب أبي وأفتخر.. لأن أبي لم يترك لي مالًا فقط، ولم يمنحني اسمًا أحمله بين الناس فحسب، وإنما ترك لي إرثًا أكبر من كل الأموال والمناصب؛ ترك لي مبادئ، وعلّمني أن الرجولة موقف، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الإنسان يُقاس بما يقدمه للآخرين، لا بما يملكه في جيبه.
كان أبي مدرستي الأولى، وفي صمته أحيانًا كانت دروس لا تُنسى، وفي كلماته البسيطة كانت حكمة عمر كامل. علّمني أن العمل ليس عيبًا، وأن السعي وراء الرزق شرف، وأن اليد التي تتعب من أجل لقمة حلال هي يد تستحق أن تُقبّل لا أن تُخفى.
كبرت وأنا أراقبه، أتعلم منه دون أن أشعر. رأيته يتحمل المسؤولية، ويخفي تعبه حتى لا نشعر بثقل الحياة، ويبتسم في أصعب الأوقات حتى يمنحنا الأمان. لم يكن أبي بطلًا في فيلم، لكنه كان بطل حياتي، ذلك البطل الذي لا تكتب الصحف اسمه، ولا تسلط عليه الأضواء، لكنه يصنع أبناءً يستطيعون مواجهة الدنيا.
واليوم، كلما قال لي أحدهم: «أنت تعيش في جلباب أبيك»، أبتسم وأقول: نعم.. وأفتخر.
أفتخر لأن هذا الجلباب يحمل رائحة الكفاح، وآثار السنين، وعرق رجل قضى عمره من أجل أسرته. أفتخر لأنني لم أرث منه اسمه فقط، بل ورثت منه احترام الناس، وحب الخير، والوقوف بجانب الضعيف، وعدم الانحناء إلا لله.
جلباب أبي ليس قطعة قماش أرتديها، وإنما قيم أعيش بها.
هو الصدق عندما يكون الكذب أسهل، والشرف عندما تصبح المبادئ عبئًا على أصحابها، والوفاء عندما تتغير الوجوه، والصبر عندما تضيق الدنيا، والرضا عندما لا تأتي الحياة كما نتمنى.
وفي زمن أصبح فيه البعض يتبرأ من الماضي بحثًا عن صورة جديدة، أقولها بكل فخر: أنا ابن أبي، وما تعلمته منه سيظل جزءًا مني مهما تغيرت الأيام.
قد تتغير الملابس، وتتبدل الأماكن، وتتسع الأحلام، ويكبر الإنسان، لكن هناك أشياء لا ينبغي أن تتغير أبدًا.. وأولها فضل الأب.
فالأب الحقيقي لا يترك لأبنائه جلبابًا يرتدونه فقط، بل يترك لهم طريقًا يسيرون عليه.
وقد لا أستطيع أن أرد لأبي كل ما قدمه لي، لكنني أستطيع أن أحافظ على ما علّمني إياه، وأن أجعل سيرته الطيبة حاضرة في كل خطوة أخطوها.
أعيش في جلباب أبي وأفتخر.. لأنني كلما ارتديت قيمه، شعرت أنني أرتدي شيئًا أغلى من الدنيا كلها.
وفي النهاية، سيظل الأب هو الحكاية التي لا تنتهي، والسند الذي نفتقد قيمته عندما نحتاج إليه، والظل الذي نتمنى لو ظل فوق رؤوسنا إلى الأبد.
رحم الله آباءً رحلوا وحفظ الله آباءً ما زالوا بيننا، وجعلنا جميعًا أبناءً يليقون بما قدمه آباؤهم من عمر وكفاح وتضحيات.
منصة غرد بالمصري
تغطية شاملة ومستمرة على مدار الساعة
"نحن لا ننقل الخبر فحسب، بل نضعكم في قلب الحدث برؤية تحليلية واعية، لنواكب نبض الشارع المصري والعربي لحظة بلحظة."
