بقلم: د/ رمضان بلال_غرد بالمصري
ليست كل القمم سواء، وليست كل المدن التي تستضيف المؤتمرات مجرد مكانٍ تُرفع فيه الأعلام وتُلتقط فيه الصور. هناك لحظات تتحول فيها الجغرافيا إلى رسالة، وتصبح المدينة منصةً تتقاطع فوقها المصالح والطموحات والأسئلة الكبرى.
وفي يومي السبت 3 والأحد 4 أكتوبر 2026، تتجه الأنظار إلى مدينة العلمين الجديدة، حيث تستضيف مصر حزمةً من اللقاءات والفعاليات الأفريقية البارزة؛ إذ تنطلق الفعاليات بمنتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، وقمة الدول المؤسسة لوكالة أودا – نيباد، لتتواصل في اليوم التالي مع الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام لـ الاتحاد الأفريقي.
لكن قيمة المشهد لا تكمن في كثرة الاجتماعات، وإنما في اجتماع السياسة والاقتصاد والتنمية على أرض واحدة، وفي لحظة تحتاج فيها القارة الأفريقية إلى تحويل الطموحات المشتركة إلى مشروعات وفرص حقيقية.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية المشهد المصري. فالأعمال ليست منفصلة عن السياسة، والتنمية ليست منفصلة عن البنية التحتية، والتكامل الاقتصادي لا يمكن أن ينمو بلا إرادة سياسية تفتح الطرق أمام الاستثمار والتجارة والتعاون بين الدول.
والسؤال الأهم ليس: كم اجتماعًا سيُعقد؟ بل: ماذا يمكن أن تنتج هذه اللقاءات لأفريقيا ومصر؟
العلمين… حين يلتقي البحر بإيقاع القارة
العلمين الجديدة، التي ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بمشروعات عمرانية وتنموية كبرى، تستقبل مشهدًا أفريقيًا واسعًا. وعلى أرض مصر، تلتقي دول ومؤسسات وقيادات تبحث في قضايا التنمية والتكامل، وكأن المدينة تقول للقارة:
“إن المسافة بين الحلم والمشروع ليست مستحيلة… إذا امتلكت الدول إرادة التنفيذ.”
فالقارة الأفريقية لا ينقصها الشباب ولا الموارد ولا الأسواق ولا الإمكانات البشرية. والتحدي الحقيقي هو كيفية تحويل هذه الإمكانات المتناثرة إلى قوة اقتصادية مترابطة، تستطيع أن تنتج وتستثمر وتتبادل وتنافس، بدل أن تظل كل دولة تبحث منفردة عن طريقها وسط عالم سريع التغير.
من السياسة إلى اقتصاد المصالح المشتركة
لقد تغير العالم. لم تعد العلاقات بين الدول تُقاس فقط بعدد الزيارات والقمم، وإنما بما تتركه تلك العلاقات خلفها من طرق وموانئ وطاقة واستثمارات وتكنولوجيا وفرص عمل وتجارة.
ومن هنا تكتسب اللقاءات المصرية الأفريقية أهمية تتجاوز البروتوكول. فالسياسة عندما تفتح الباب، يأتي الاقتصاد ليبني الجسر. والاقتصاد عندما يخلق مصالح مشتركة، تصبح فرص التعاون أكثر رسوخًا. والتنمية عندما تصل إلى المواطن، تتحول الاتفاقيات من نصوص على الورق إلى واقع يراه الناس في حياتهم اليومية.
وهذه هي المعادلة التي تحتاجها أفريقيا بشدة: قرار سياسي… يفتح الطريق. استثمار… يصنع المشروع. وتنمية… تصل إلى الإنسان.
مصر وأفريقيا… علاقة أعمق من المصالح العابرة
مصر لا تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجرد سوق أو مجال للاستثمار. العلاقة المصرية الأفريقية لها جذور تاريخية وجغرافية واستراتيجية، ومصر جزء أصيل من القارة، وما يحدث في أفريقيا يمس الأمن والتنمية والمستقبل المصري بصورة مباشرة.
ومن هنا تكتسب استضافة هذه اللقاءات أهمية خاصة. فمصر لا تتحدث عن أفريقيا من بعيد؛ بل تتحرك داخل القارة، وتتعامل مع قضاياها باعتبارها قضايا مشتركة، من التنمية والبنية الأساسية إلى التجارة والطاقة والنقل والتحول الرقمي.
وفي هذه الملفات تحديدًا، تبدو الحاجة واضحة إلى تعاون يتجاوز الحدود الوطنية. فالطريق الذي يصل دولة بأخرى ليس مجرد طريق. والميناء الذي يربط سوقًا بسوق ليس مجرد ميناء. وشبكة الطاقة التي تعبر الحدود ليست مجرد خطوط.
كل ذلك يمكن أن يصبح جزءًا من بناء أفريقيا أكثر ترابطًا وقدرة على صناعة مستقبلها.
من بيانات القمم إلى مشروعات الواقع
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي. قد تنتهي الاجتماعات، وتُلتقط الصور، وتصدر البيانات. لكن التاريخ لا يحاسب القمم بعدد الكلمات التي قيلت فيها، وإنما بما خرج منها إلى الأرض.
هل تحولت الاتفاقات إلى مشروعات؟
هل زادت التجارة البينية؟
هل تحرك الاستثمار؟
هل تحسنت شبكات النقل والطاقة والاتصال؟
هل أصبح التعاون الاقتصادي أكثر قدرة على خلق فرص العمل؟
وهل شعر المواطن الأفريقي بأن ما يُناقش باسمه انعكس بصورة ملموسة على حياته؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لأي جهد جماعي. فأفريقيا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى مشروعات تربط أسواقها، واستثمارات تستثمر في شعوبها، وشراكات تمنح مواردها قيمة مضافة داخل القارة.
مصر… بين الموقع والدور
تمتلك مصر ما يجعلها قادرة على لعب دور مهم في هذا المسار: موقع جغرافي يربط أفريقيا بالعالم، وشبكات نقل وموانئ ومؤسسات اقتصادية، إلى جانب علاقات ممتدة مع دول القارة.
لكن الموقع وحده لا يصنع الدور. والدور الحقيقي يُبنى بالقدرة على تحويل الموقع إلى حركة، والعلاقات إلى شراكات، والشراكات إلى مشروعات.
وهنا يمكن أن تصبح مصر نقطة التقاء بين احتياجات القارة وإمكانات الاستثمار، وبين الطموح السياسي ومتطلبات الاقتصاد، وبين شمال أفريقيا وامتدادها الطبيعي في عمق القارة.
العلمين… ليست النهاية
ربما تكون أهم رسالة يمكن أن تحملها لقاءات العلمين هي أن أفريقيا تستطيع أن تجمع بين السياسة والاقتصاد في مشروع واحد. فلا تنمية بلا استقرار وتعاون. ولا تكامل بلا بنية أساسية. ولا سوق أفريقية حقيقية بلا حركة تجارة واستثمار. ولا مستقبل مشترك بلا إرادة سياسية تساند القطاع الخاص وتفتح المجال أمام الشراكات.
ومن هنا، فإن قيمة ما يجري في العلمين لن تتحدد في لحظة انتهاء الاجتماعات، وإنما في الأيام والسنوات التي تليها.
“فالقمم تفتح الأبواب، لكن المشروعات هي التي تعبر منها.”
وفي العلمين، لا تلتقي مصر بأفريقيا عند حدود الجغرافيا فقط، وإنما تلتقي معها عند التاريخ والمصير والمصالح المشتركة. ومن أرض مصر، التي طالما كانت جسرًا بين القارات ومركزًا للتواصل والحوار، تتجدد رسالة الانتماء إلى أفريقيا؛ رسالة تؤكد أن مصر حين تتحرك في محيطها الأفريقي، فإنها لا تبحث عن دورٍ عابر، وإنما تؤدي مسؤولية دولة تعرف مكانها، وتدرك قيمة قارتها، وتؤمن بأن قوة أفريقيا من قوة التعاون بين أبنائها.
من شاطئ العلمين إلى عمق القارة، تتحرك مصر بثقلها التاريخي ومكانتها الإقليمية، حاملةً رؤيةً عنوانها التعاون، وغايتها التنمية، وهدفها أن ترى أفريقيا أكثر ترابطًا وقدرةً على صناعة مستقبلها.
وهنا لا تكون العلمين مجرد مدينة احتضنت قمة أو منتدى، بل تصبح شاهدًا على لحظة تلتقي فيها الإرادة المصرية مع الطموح الأفريقي، وتتحول فيها العلاقات إلى جسور، والجسور إلى شراكات، والشراكات إلى مشروعات تخدم شعوب القارة.
لقد كانت مصر وستظل جزءًا أصيلًا من قلب أفريقيا، وحين تفتح مصر أبوابها لأشقائها الأفارقة، فإنها تفتح معها أبوابًا جديدة للعمل والتكامل والتنمية.
من شاطئ العلمين إلى عمق القارة… مصر تكتب فصلًا جديدًا مع أفريقيا؛ فصلًا يليق بمصر، بتاريخها، ومكانتها، ودورها، وبقارة تستحق أن يكون مستقبلها بحجم إمكاناتها.
تحيا مصر… وتحيا أفريقيا، ويبقى التعاون بينهما جسرًا يعبر عليه مستقبل القارة.
