رداً على بيان الخارجية الإثيوبية وتهديد “البحر الأحمر”: الجغرافيا لا تمنح سيادة.. والقانون لا يعترف بالتمدد

By nagah hegazy
الجغرافيا لا تمنح سيادة: رداً على بيان الخارجية الإثيوبية
بقلم: أشرف عبد الحميد_غرد بالمصري

“الاستقرار القاري يُبنى على احترام القانون الدولي، لا على مزاعم الجغرافيا وأوهام التاريخ”

في توقيت مريب يتزامن مع انعقاد منتدى العلمين وغياب إثيوبيا عنه، أصدرت إثيوبيا بيانين يكملان بعضهما: الأول عسكري بصوت رئيس الأركان برهانو جولا: “لم نبدأ الحرب بعد، فإن بدأنا لن نتوقف إلا في البحر الأحمر”، والثاني دبلوماسي من الخارجية الإثيوبية يزعم أن لها “مصالح جغرافية وتاريخية في نهر أباي (النيل الأزرق) والبحر الأحمر، وأن أقرب حدودها على بعد 30 كم من الساحل”.

هذه المزاعم تستوجب رداً قانونياً وسياسياً حاسماً، لأنها تحاول تحويل الجغرافيا إلى سند للسيادة، والتاريخ المزعوم إلى حق في احتلال موانئ الغير.

أولاً: الرد على مزاعم النيل.. حصة 85% لا تعني ملكية 100%

قالت الخارجية الإثيوبية: “نهر أباي ينبع من مرتفعاتنا ويساهم بـ 85% من مياه النيل، وأي نقاش يجب أن يستند لهذه المعطيات”.

هذا هو التضليل القانوني بعينه، والرد عليه بأربع حقائق:

  1. المساهمة المائية لا تمنح حق الملكية: القانون الدولي للأنهار الدولية (اتفاقية الأمم المتحدة 1997) لا يعترف بمبدأ “من أين يأتي الماء”. لو طبقنا منطق إثيوبيا، لطالبت تركيا بملكية دجلة والفرات لأن 90% من مياههما منها، وطالبت البرازيل بملكية الأمازون. القانون يقول: الحوض المشترك ملك لكل دول الحوض، والاستخدام يجب أن يكون منصفاً ومعقولاً ولا يسبب ضرراً جسيماً. إثيوبيا تريد تحويل حق المساهمة إلى حق مصادرة.

  2. مصر لا تناقش الجغرافيا بل الإجراءات: مصر لا تنكر أن النيل الأزرق ينبع من إثيوبيا. ما تنكره هو التصرفات الأحادية المخالفة للقانون: بناء سد النهضة وتشغيله دون اتفاق ملزم، ومنع تدفق المعلومات الهيدرولوجية، وهو ما وصفته الهيئة الوطنية للإعلام بأنه “استمرار في التصرفات الأحادية المخالفة للقانون الدولي”.

  3. حقوق تاريخية أم حقوق مكتسبة؟ مصر لها حقوق تاريخية ومكتسبة في النيل منذ آلاف السنين، تعتمد عليه بنسبة 97%، بينما إثيوبيا لديها 12 حوضاً نهرياً و 120 مليار متر مكعب من الأمطار سنوياً. الفقر المائي الحقيقي في مصر وليس في إثيوبيا.

ثانياً: الرد على مزاعم البحر الأحمر.. 30 كم لا تمنح متراً واحداً من السيادة

هذه هي أخطر فقرة في البيان: “البحر الأحمر مجال بحري ترتبط به إثيوبيا جغرافياً وتاريخياً، وأقرب حدودها 30 كم من الساحل، ولها مصالح مشروعة”.

الرد القانوني الصارم:

  1. البحر لا يُقاس بالمسافة بل بالسيادة: سويسرا تبعد 30 كم عن البحر أيضاً، والنمسا حبيسة، وبوليفيا خسرت ساحلها. هل يحق لأي منها تهديد جيرانها بالحرب للوصول للبحر؟ القانون الدولي واضح: الدولة الحبيسة لها حق المرور والوصول للبحر عبر اتفاقيات مع جيرانها، وليس لها حق التمدد واحتلال موانئهم. إثيوبيا كانت تملك ساحلاً عندما كانت إريتريا جزءاً منها، وخسرته باستقلال إريتريا عام 1993 بإرادة شعبها. لا يمكن استعادته بالقوة.

  2. “الارتباط التاريخي” كذبة استعمارية: الخارجية الإثيوبية تقول “رغم التغيرات التي طرأت على الحدود السياسية”. هذه التغيرات هي استقلال إريتريا المعترف به دولياً، واستقلال الصومال وجيبوتي. العودة لمزاعم تاريخية قبل الاستقلال هو نفس منطق الاستعمار الذي يحاربه الاتحاد الأفريقي ومبدأ احترام الحدود الموروثة.

  3. من يزعزع الاستقرار فعلاً؟ البيان يقول: “الضغوط والإجراءات القسرية وأعمال زعزعة الاستقرار عبر وكلاء لن تغير الحقائق”. الحقيقة أن من يمارس زعزعة الاستقرار هو من يوقع مذكرة تفاهم غير شرعية مع كيان غير معترف به (أرض الصومال) لاقتطاع 50 كم من ساحل دولة ذات سيادة (الصومال). التحالف المصري-الصومالي-الإريتري الذي تشكل في العلمين هو تحالف دفاعي شرعي بطلب من حكومة الصومال الشرعية لحماية سيادتها، وليس عملاً عبر وكلاء.

ثالثاً: الجمع بين التهديدين.. استراتيجية الابتزاز المزدوج

عندما نقرأ البيانين معاً نفهم الاستراتيجية الإثيوبية الكاملة:

  • في النيل: “أنا المنبع (85%) ولن ألتزم”

  • في البحر: “أنا قريب (30 كم) ولن أتوقف إلا في البحر الأحمر”

هي نفس العقلية: فرض الأمر الواقع بالقوة بدل التفاوض بالقانون. وهو ما يفسر غيابها عن منتدى العلمين الذي حضرته 20 دولة أفريقية لمناقشة منصة استثمار وتمويل مملوك لأفريقيا. إثيوبيا لا تريد استثماراً مشتركاً، تريد تمويل تنميتها من مياه مصر وموانئ الصومال.

رابعاً: الردع المصري.. القانون يحميه القوة

مصر التي استضافت العلمين ورفعت شعار “أجندة 2063 والتمويل المملوك لأفريقيا”، هي نفسها التي شكلت القمة الرباعية (مصر-السودان-إريتريا-الصومال) كحائط صد قانوني.

الرسالة المصرية الواضحة لـ الخارجية الإثيوبية ولرئيس الأركان:

  1. الحقائق القائمة التي لا يمكن تغييرها هي سيادة الصومال وإريتريا على سواحلهما، وحقوق مصر التاريخية في النيل، وليست مزاعم 85% و 30 كم.

  2. الحوار الذي تدعون إليه لا يكون مع التهديد بالحرب. كيف تدعون للحوار والاحترام المتبادل وحسن الجوار بينما رئيس أركانكم يهدد بالوصول للبحر الأحمر بالحرب؟

  3. الاستعداد للدفاع عن السيادة الذي ذكرتموه هو بالضبط ما تفعله مصر والصومال وإريتريا: دفاع مشروع عن السيادة والمصالح الوطنية الأساسية ضد التمدد.

الخلاصة: من العلمين إلى باب المندب.. القانون هو طوق النجاة

بيان الخارجية الإثيوبية يقول: “الجغرافيا والتاريخ لا يمكن تغييرها بالخطاب السياسي”.

نعم، وهذا ينطبق عليكم:

  • جغرافيا مصر أنها دولة مصب تعتمد على النيل 97% لا يمكن تغييرها ببناء سد أحادي.

  • تاريخ وجغرافيا أن إريتريا والصومال دولتان مستقلتان ذات سيادة على سواحلهما لا يمكن تغييرها بمذكرة تفاهم مع كيان انفصالي.

  • قانون أن باب المندب ممر ملاحي دولي يمر عبره 12% من التجارة العالمية لا يمكن تغييره بتهديد عسكري.

إعلان العلمين قال: التنمية المملوكة لأفريقيا. والرد المصري على البيانين يقول: والسيادة المملوكة لشعوبها.

إما أن تعود إثيوبيا إلى العلمين.. منتدى الاستثمار والتعاون والقانون، أو ستظل حبيسة مزاعم الجغرافيا وتهديدات الحرب، معزولة عن 20 دولة أفريقية اختارت طريق الاستقرار.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!