بقلم: إيمان حجاج_مصر
هناك أيام في عمر الأوطان لا تمر عليها السنوات، بل تزداد حضورًا كلما تعاقبت الأجيال. ويظل السادس من أكتوبر واحدًا من تلك الأيام التي تجاوزت حدود التاريخ، لتصبح جزءًا من الذاكرة والوجدان والهوية المصرية. ففي هذا اليوم لم تعبر القوات المسلحة المصرية مانعًا مائيًا فحسب، وإنما عبرت بمصر من مرارة الانكسار إلى رحابة الأمل، ومن انتظار اللحظة المناسبة إلى صناعة اللحظة التي غيّرت مجرى التاريخ.
أكتوبر ليس مجرد ذكرى لنصر عسكري، ولا مناسبة نستعيد فيها مشاهد العبور والانتصار، وإنما قصة شعب آمن بأن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح واقعًا حين تتوافر الإرادة والإعداد والتخطيط والإيمان بالوطن.
كان وراء النصر رجال أدركوا أن الدفاع عن الأرض لا يحتاج إلى الشعارات بقدر ما يحتاج إلى الاستعداد والتضحية. رجال وضعوا الوطن قبل أنفسهم، ولم يترددوا لحظة في مواجهة الخطر، لأنهم كانوا يعرفون أن للأوطان ثمنًا، وأن الحرية والكرامة لا تُمنحان، وإنما تُنتزعان بالإرادة والعمل والتضحية.
وفي ذكرى أكتوبر، نستعيد صورة الجندي المصري الذي تقدم إلى أصعب المواقع وهو يحمل سلاحه وقلبه ممتلئ باليقين. لم يكن يعرف ماذا تخبئ له اللحظات التالية، لكنه كان يعرف جيدًا من أجل من يقاتل. كان يقاتل من أجل أرض، وكرامة، وأسرة، ووطن يستحق أن يبقى شامخًا.
ولذلك فإن أعظم ما تركه أكتوبر للأجيال ليس فقط تفاصيل المعركة، وإنما درس الإرادة. فقد أثبت أن الهزيمة ليست قدرًا دائمًا، وأن الإنسان يستطيع أن يعيد كتابة التاريخ عندما يمتلك الشجاعة ليواجه واقعه، والعقل ليخطط لمستقبله، والإرادة ليحول أهدافه إلى إنجازات.
وفي قلب هذه الذكرى تبقى أسماء الشهداء حاضرة قبل كل شيء. هؤلاء الذين لم يعودوا إلى بيوتهم، لكنهم تركوا لمصر ما هو أبقى من الحياة؛ تركوا وطنًا يعرف معنى التضحية، وتركوا للأجيال حكاية لا تنتهي عن رجال اختاروا أن يكونوا جزءًا من لحظة فارقة في تاريخ بلدهم.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، الذين ستظل تضحياتهم دينًا في أعناق الأجيال، وحفظ الله جيش مصر، وحفظ الوطن وشعبه، وأدام على مصر أمنها وعزتها وكرامتها.
إن ذكرى أكتوبر ليست دعوة للعيش في الماضي، وإنما دعوة لاستحضار روحه في الحاضر: إرادة لا تنكسر، وعمل لا يتوقف، وثقة في أن مصر قادرة على تجاوز أصعب التحديات عندما يتقدم أبناؤها نحو المستقبل بالوعي والعلم والإصرار.
هكذا يبقى أكتوبر حيًا.. ليس في الكتب وحدها، وإنما في كل مصري يؤمن بأن وطنه يستحق الأفضل، وأن المستحيل ليس نهاية الطريق، بل بداية لاختبار الإرادة.
رحم الله أبطال أكتوبر.. وتحيا مصر دائمًا، عزيزة شامخة، بجيشها وشعبها وأبنائها.
