بقلم: الواعظة هند أبو عوالي
الحب من أجمل النعم التي أودعها الله في قلوب البشر، فهو الذي يمنح الحياة معناها، ويجعل للقاءات دفئًا، وللعلاقات قيمة، وللأيام القاسية نافذة من الأمل. نحب أهلنا وأصدقاءنا، ونرتبط بأشخاص يصبح وجودهم جزءًا من سعادتنا، ونفرح بالنعم التي يمنّ الله بها علينا من صحة وستر ورزق ونجاح وراحة بال، لكن تبقى هناك حقيقة إيمانية عظيمة ينبغي ألا تغيب عن قلوبنا: أحبب ما شئت، ولكن اجعل الله أحب إليك من كل شيء.
هذا هو قانون الحب الإلهي؛ أن تحب الناس دون أن تجعلهم فوق طاعة الله، وأن تستمتع بنعم الحياة دون أن تنسيك المنعم، وأن تتمسك بالأشياء الجميلة دون أن يتحول التمسك بها إلى تعلق يسرق منك الطمأنينة ويضعف صلتك برب العالمين.
فكم من إنسان تعلّق بإنسان، وظن أن سعادته لا تكتمل إلا بوجوده، فإذا بالظروف تتغير، والطرقات تتفرق، والأحوال تتبدل، فيجد نفسه أمام ألم الفراق ومرارة الغياب! وكم من إنسان جعل المال غايته، أو المنصب مصدر قيمته، أو إعجاب الآخرين مقياس نجاحه، حتى إذا تبدلت الأحوال، شعر وكأن الحياة قد سلبته كل شيء!
والحقيقة أن الدنيا لا تمنحنا ضمانًا ببقاء أحد، ولا تعدنا باستمرار نعمة على حالها؛ فكل شيء فيها له أجل، ولكل لقاء موعد، ولكل بداية نهاية، إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الباقي الذي لا يزول، والقريب الذي لا يغيب علمه عنا، والرحيم الذي يفتح أبواب الأمل مهما اشتدت الأزمات.
ولذلك، فإن الحب الحقيقي لا يعني أن نلغي مشاعرنا، أو نبتعد عن الناس، أو نعيش بلا تعلق جميل بالحياة، وإنما يعني أن نضع كل شيء في موضعه الصحيح؛ نحب الناس ونحسن إليهم، ونحفظ الود، ونصون العشرة، ونفرح بالنعم ونشكر الله عليها، لكن لا نسمح لحب مخلوق أن يقودنا إلى معصية الخالق، ولا لفقد نعمة أن يسلبنا الثقة في رحمة الله.
وقد ورد في الحديث الشريف: «أحبب من شئت فإنك مفارقه»، وهي كلمة عظيمة تذكرنا بحقيقة الدنيا، وتدعونا إلى الاعتدال في التعلق، والإحسان في المحبة، والاستعداد للقاء الله بالعمل الصالح.
فلا تجعل سعادتك معلقة بإنسان، ولا تجعل قيمتك رهينة كلمة مدح أو نظرة إعجاب، ولا تظن أن بابًا أُغلق في وجهك يعني أن أبواب رحمة الله قد أُغلقت.
أحبب، ولكن لا تتعلق بما يفنى أكثر من تعلقك بمن يبقى. أعطِ بقلب كريم، وسامح بروح مطمئنة، واشكر على النعم، ولا تحزن على ما فات حتى تنسى ما هو باقٍ بين يديك من فضل الله.
وتذكّر دائمًا أن أجمل صور الحب أن تحب الله، فتستقيم لأجله، وتطمئن بذكره، وترضى بقضائه، وتحسن إلى عباده ابتغاء مرضاته.
فإذا سكن حب الله قلبك، أصبحت أكثر اتزانًا في فرحك، وأقوى في حزنك، وأرحم بالناس، وأقدر على تجاوز الفقد؛ لأنك تعلم أن ما عند الله باقٍ، وأن رحمته أوسع من مخاوفك، وأن كل ما في الدنيا مهما عظم لا ينبغي أن يعلو على محبة الله.
أحبوا الناس، واستمتعوا بالنعم، وتمسكوا بكل جميل، ولكن اجعلوا الله دائمًا فوق الجميع؛ فمن أحب الله حقًا، عرف كيف يحب الحياة دون أن تستعبده، وكيف يحب الناس دون أن يفقد نفسه، وكيف يودّع ما يرحل بقلب مؤمن ينتظر عوض الله وفضله.
