حوار على تخوم النور: بين بصيرة ولي وهندسة البرهان

By nagah hegazy
بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب – جامعة بورسعيد – مصر
مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية)
في هجعة الليل، وحين يسكن صجيج العالم وتتلاشى متغيراّت النهار، وجدتُني أجلس في خلوتي الفكرية أتأمل مسارات الوجود وأعباء الحياة التي أنهكت قلوب المستضعفين، وتلك العقول الملوثة التي تحوم في قاع التيه. وبينما كانت أوراقي مبعثرة بمعادلات النيتروسوفيا وفلسفة الأرقام، انفتح باب الحجرة على نورٍ هادئ يفيض سكينةً، وإذا بشيخٍ جليلٍ من أولياء الله الصالحين، تبدو على محياه سيماء البصيرة النافذة والرضا المطلق، فاقترب وجلس أمامي بهدوء العارفين.
ابتسم الشيخ ابتسامةً تشرق منها الطمأنينة، وقال بصوت يقطر حكمةً:
• يا بن العِلْم والأدب، أراقبك منذ حين وأنت تغوص في بحور الأرقام وتنسج من الحرف بياناً.. فهل لصرامة الرياضيات أن تلتقي بفيض اليقين وأسرار القلوب؟
قلتُ وأنا أنحني إجلالاً لهضبة حضوره:
• يا سيدي، لطالما ظن الناس أن الأرقام جافة لا تبصر، وأن المعادلات تقتصر على المادة. غير أنني وجدتُ في «أدب الرياضيات» جسراً يربط بين دقة البرهان ورفاهية الروح؛ فالحزن دالة، والرضا توازن، واليقين هو البرهان الأسمى الذي لا يقبل الخطأ. لكني أتعبني صخب العقول الملوثة، ونظرات التعب المرسومة على وجوه المستضعفين في قاع الأرض!
نظر إليّ الشيخ بعينين تتوغلان في بواطن الروح، وقال:
• صدقتَ يا بني؛ فالخلق يعمهون في ظنونهم، يهربون من حقيقة أن الأقدار لا تخطئ ميزانها. أتظن أن عيون أولئك المتعبين تبكي عجزاً؟ كلا، بل هي أشفقت على أرواحهم من جفاء الحياة وكثرة زيفها. اسمع مني ما يحرر فكرك من أثقال البشر: لا تقف عنج قاع العقول الملوثة، ولا تلتفت لمن تغيروا بعد أن أشبعتهم اهتماماً؛ فمن يصل إلى نقطة التشبع يفقد بصيرة التقدير، ودعهم في غيهم يرتعون.
قلتُ بلهفة الباحث عن الحقيقة:
• وكيف يستقيم ميزان القلب يا سيدي أمام عواصف الشك وتقلبات الأيام؟
أجاب الشيخ بثبات الجبال:
• بمعادلة التسليم المطلق لرب العالمين.
إن ما قسمه الله لك سوف يأتيك ولو كانت بينك وبينه أطباق السماوات والأرض. اطرح هموم الدنيا من حساب يومك، واجمع يقينك في خلوة السجود، وكن كالثابت الرياضي الأبدي لا تهزك ريح الشك ولا تنحرف بك ظنون الواشين. عش يومك وقلبك بالأقدار راضٍ، واعلم أن من جعل الله بوصلته، لن تضل خطاه في متاهات الدرب أبداً.
سرت في أقطار نفسي رعدة نورانية، وشعرت أن كل معادلات الوجود قد استقامت في عقلي وقلبي معاً. رفعت رأسي لأشكره، فإذا بالنور يملأ المكان، وإذا بالحكمة ترصع أوراقي بنقاء البرهان.
مضيتُ بعدها أسطر بالحرف والعدد قصة إنسانٍ وجد في نور البصيرة تمام المعادلة، وفي رضا الله أصدق غايات الوجود!
العلم.. يرسم حياة أجمل، والأدب يخلد برهان الوجو
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!