في مثل هذا اليوم، 14 أكتوبر 1973، سقط العميد المهندس أحمد حمدي شهيدًا، لا في مؤخرة الجبهة، بل فوق الكوبري، في قلب النار، وسط جنوده، وبين قطع الحديد التي كانت تعبر بها مصر من الهزيمة إلى النصر.
ولد أحمد حمدي في المنصورة عام 1929، لأسرة تنتمي إلى سلك التعليم، لكنه اختار طريقًا آخر: أن يُعلّم الأجيال معنى الفداء. تخرج من كلية الهندسة، قسم ميكانيكا، ثم التحق بالقوات الجوية، ومنها إلى سلاح المهندسين، حيث بدأ مشواره الحقيقي مع المعركة.
في العدوان الثلاثي عام 1956، أطلق عليه زملاؤه لقب “اليد النقية“، لأنه فكك آلاف الألغام بيديه دون أن ترتجف. وفي نكسة 1967، رفض الانسحاب إلا بعد أن دمّر خطوط المياه في سيناء، حتى لا تصل للعدو قطرة واحدة.
لكن كل ذلك لم يكن إلا تمهيدًا ليوم العبور.
في أكتوبر 1973، كان أحمد حمدي نائبًا لمدير سلاح المهندسين، وقائدًا لأحد ألوية الكباري في الجيش الثاني. لم يكتفِ بالتخطيط، بل أصر على أن يكون في الخطوط الأمامية، يشارك جنوده في إسقاط الكباري، يوزع عليهم الشاي والبسكويت، ويقود بنفسه ناقلة برمائية ليبعد براطيم غارقة عن منطقة العمل.
كان يعلم أن القصف سيعود، لكنه لم يغادر. ظل واقفًا، مهندسًا وقائدًا وجنديًا، حتى سقطت دانة ثقيلة على الكوبري، فاستشهد في الحال، وارتقى كما يرتقي الكبار: في لحظة أداء الواجب.
كتب عنه اللواء محمد عبد الغني الجمسي في مذكراته:
“لقد أحزنني خبر استشهاده، لأنني عرفته عن قرب… كان هادئًا، كفؤًا، لا أراه إلا عائدًا من الخطوط الأمامية في ساعة متأخرة من الليل.”
كرّمته مصر كما يليق بالأبطال:
– منحه الرئيس السادات وسام نجمة سيناء من الطبقة الأولى.
– أُطلق اسمه على نفق قناة السويس.
– اختير يوم استشهاده ليكون “عيد المهندس المصري”.
– حملت إحدى دفعات الكلية الحربية اسمه.
أحمد حمدي لم يكن مجرد ضابط مهندسين، بل كان جسرًا بشريًا بين الأرض والنصر، بين الجندي والكرامة، بين الكباري والخلود.
رحم الله الشهيد، وكل من سار على دربه، وكل من آمن أن الوطن لا يُبنى إلا على أكتاف من لا يخافون الموت.
بقلم: محمد حجازي من أبطال أكتوبر المجيد
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام:
