أحمد لطفى السيد فى مرمى الانتقادات

بقلم: حسين السيد
لم تسلم جهود أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد من الانتقادات، وانهالت عليه بعض الأقلام للانتقاص والتقليل منها، بل إن اللقب الذى خلعه عليه تلاميذه شُكِّك فيه، ورأى بعضهم أنه لا يستحق لقب “أستاذ الجيل”، ومن هؤلاء المحامى والمفكر “أحمد حسين” مؤسس “مصر الفتاة” وصاحب “موسوعة تاريخ مصر” و”إيمانى” وروايتى “أزهار” و”الدكتور خالد”، ففى مقال له بعنوان “لطفى السيد أستاذ جيل.. ربما” المنشور بمجلة الهلال فى مارس 1979، أشار إلى أنه من جيل لم ير من لطفى السيد أبيض ولا أسود خلال أربعين سنة، ويذهب مع أنور الجندى فى أن ترجماته لكتب أرسطو الأربعة لم تكن من صميم عمله، وإنما هى من عمل قسم الترجمة بدار الكتب المصرية إبان رئاسته لها.
يستدل “أحمد حسين” على صحة قوله هذا بأن لطفى السيد عاش كثيرا، فتخطى التسعين من العمر، ورغم ذلك لم يترجم إلا فى الفترة التى كان فيها رئيسا لدار الكتب وقد تجاوز منتصف عمره، ولم يترجم كتابا واحدا بعد ذلك، بل إنه لم يؤلف كتابا يتيما يذكر له، وأغلب منجزه يتمثل فى كتابة بعض المقالات، أما عمل واحد من تأليفه فلن تجد.
يزعم “أحمد حسين” أن لطفى السيد لم يقدم لمصر شيئا رغم توليه الوزارة أكثر من مرة، ولم يخلف قولا مسموعا أو مقروءا فترة عمله مديرا للجامعة، ولم يعرف عنه أنه ألقى محاضرة واحدة، مستشهدا بنفسه حيث التحق بالجامعة فى أول الثلاثينيات، ولم يحكِ له أحد عن لطفى السيد، وإنما رأى بعينيه وسمع بأذنيه أنه لم تكن له بصمة فى الجامعة.
يرى “أحمد حسين” أن حزب الأمة من صنيعة الاحتلال الإنجليزى، وأن لطفى السيد قد رأس تحرير “الجريدة” وهى لسان حال الحزب والمعبرة عن أفكاره وتوجهاته، وكانت “الجريدة” تناهض الحركة الوطنية التى قادها مصطفى كامل وجريدته “اللواء”، كما قاومت حزب الاستقلال الذى أنشأه الخديو عباس بزعامة الشيخ على يوسف صاحب “المؤيد”. وطلبًا للوضوح فإننا نستأنس هنا بالمقارنة التى عقدها الدكتور محمد محمد حسين فى كتابه “الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر” بين رؤية الحزب الوطنى وحزب الأمة للوطن، فحزب الأمة ينزع عن الوطن صفة القداسة فيما يحاول مصطفى كامل غرسها فى قلوب الناشئة والمواطنين، وينزعون عن المواطنين صفة الأخوة فى الدم والدين، وينظرون إلى الوطن نظرة مادية خالصة.
يخلص الدكتور محمد محمد حسين إلى أن كتَّاب حزب الأمة ومفكروه يحصرون جهودهم ومساعيهم فيما يحقق للناس المتع الجسدية، ولا تستهدف حضارتهم الفكرية إلا توفير هذه المتع. وهم إن اعترفوا ببعض القوانين الأخلاقية لا يعترفون بها إلا بوصفها لازمة لتنظيم توزيع هذه المتع بين الناس فى هذه الحياة الدنيا.
إذن تأثير لطفى السيد – من وجهة نظر أحمد حسين- لا يعدو قلة قليلة من الشبان المتأثرين بفكر حزب الأمة وبسياسة تحرير الجريدة، فهو أستاذ لبعض من الجيل وليس كل الجيل، فليس له أثر مثل أثر طه حسين والعقاد وهيكل وأحمد أمين وأحمد شوقى وغيرهم من الأعلام الذين كانت لها بصمة واضحة فى حياتنا الفكرية.
أما سبب تسميته بأستاذ الجيل فيرجح أحمد حسين أن للإنجليز دورا فى هذه التسمية، وللمستشرقين كذلك، فالرجل روَّج للمبادئ والأفكار الأوروبية، فلابد من شد أزره ومن تقويته، أو حتى من بعض تلاميذه من قادة الفكر خاصة محمد حسين هيكل وطه حسين، لكنه يذهب إلى أن العلاقة بين لطفى السيد وهيكل شابتها بعض الاختلافات، وثمة مآخذ أخذها عليه هيكل، كحزنه الشديد على مصطفى كامل عندما مات وهو الذى ظل طوال حياته يهاجمه، وكذلك تنديده بتصرفات الخديو ومع ذلك كان يقف فى مقدمة من يحتفون باستقباله.
أما العلاقة بينه وبين طه حسين فقد كانت متينة، ويعترف طه حسين بفضل لطفى السيد عليه، لكن ثمة اختلافات بينهما، فيرى “أحمد حسين” أن لطفى السيد عندما كان مديرا للجامعة وأطيح بطه حسين سنة 1930، كاد يسكت على ذلك، لولا أن طلبة الجامعة أجبروه على الاستقالة، فاستقال محرجا. وفى حين انضم طه حسين إلى الوفد كان لطفى مع حزب الأحرار الدستوريين. ويكتب طه حسين ويؤلف الكتب ويلقى المحاضرات ويتطور فكره حتى آخر نفس فى حياته، لكن لطفى السيد كان عقيما لا يفصح عن رأى من أى نوع كان، كما يذكر أحمد حسين.
أما أنور الجندى فقد كتب كثيرا عن لطفى السيد، فمثلا فى كتابه “جيل العمالقة والقمم الشوامخ فى الإسلام” عنون فصلا من كتابه بـ”لطفى السيد وأكذوبة أستاذ الجيل” – وهو الفصل نفسه فى كتابه “رجال اختلف فيهم الرأى” مع اختلافات طفيفة – يرى أن اسم لطفى السيد لمع لمعانا شديدا وخُدع به الكثير وذلك لامتداد عمره، وتغير الأوضاع، واقتناص بعض الفرص التى جاءت الظروف، كل هذا أضفى على اسمه نوعا من القداسة التى منى بها بالرغم من فساد جوهره. وعدَّد أنور الجندى مساوئ لطفى السيد منها أنه كان يدعو إلى قصر التعليم على أبناء الأعيان على أساس أنهم وحدهم الذين سيتولون الحكم، وقاوم تعليم سواء الأمة، وعارض الاتجاه إلى المجانية.
كذلك دعا إلى العامية، وأيد الخطوات التى كان قد قطعها المستشرقون والمبشرون مثل ويليام ويلكوكس الإنجليزى، وكان من أبرز ما دعا إليه إبطال التشكيل وتغييره بالحروف اللينة وتسكين أواخر الكلمات وإحياء الكلمات العامية والمتداولة وإدخالها فى صلب اللغى الفصحى والنزول باللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب العام، وقد تناول هذا أيضا فى كتابه “المساجلات والمعارك الأدبية فى مجال الفكر والتاريخ والحضارة”.
من ذلك أيضا أنه قاوم التضامن العربى الإسلامى، فعارض مساعدة المصريين لجيرانهم فى طرابلس الغرب فى أثناء الغزو الإيطالى الاستعمارى عام 1911، وكتب فى هذا المعنى تحت عنوان “سياسة المنافع.. لا سياسة العواطف” مقالات عدة، دعا فيها المصريين إلى التزام الحياد المطلق فى هذه الحرب الإيطالية التركية. ومما كُتب فى “الجريدة” فى تسفيه فكرة الجامعة الإسلامية سنة 1907: “أما كون الجامعة الإسلامية موجودة وجودا حقيقيا، أو أنها مقصد من المقاصد التى يسعى المسلمون لتحقيقهاـ فهذا لا دليل عليه مطلقا”.
كما مجَّد اللورد كرومر الحاكم البريطانى الذى أذل المصريين لمدة ربع قرن مسيطرا على سياسة البلد وساحقا لكرامتها.
يؤكد أنور الجندى أن منهج لطفى السيد قام على التبعية العامة للنفوذ الأجنبى والاحتلال البريطانى والفكر الغربى تحت اسم عبارة ماكرة خادعة هى “مصر للمصريين”.
أما مترجماته عن أرسطو المنسوبة إليه فيرى أنور الجندى أنها ليست من ترجمته، وصاحب الترجمة الحقيقى هو قسم الترجمة فى دار الكتب المصرية وذلك بشهادة عديد من معاصرى هذه الفترة، واستشهد أنور الجندى حينها بالأستاذ أحمد عابدين مدير دار الكتب الأسبق.
يأخذ عليه أنور الجندى أيضا أنه على الرغم من دعوته العريضة إلى الدستور والحرية فإن الوزارات التى قبل الاشتراك فيها كانت كلها تتسم بطابع واحد وهى جميعا وزارات انقلاب ضد الدستور والبرلمان.
يسوق لنا الأديب الكبير فتحى غانم فى كتابه “الفن فى حياتنا” حوارا مهما بين زكى طليمات ولطفى السيد، فى هذا الحوار تتضح لنا صورة أستاذ الجيل أكثر فأكثر، وكيف أنه يضيق بالحرية رغم أنه من أشد الناس حرصا عليها وعلى تطبيق الدستور، فيقول فتحى غانم:
“ولقد تعرض زكى طليمات إلى مشكلة السياسة وصلتها بالفن، فلما عاد زكى طليمات فى أواخر سنة 1928 إلى مصر استقبله لطفى السيد وكان وزيرا للمعارف، ودار بينهما الحوار الآتى:
– هل تعجبك سياسة السيدة روزاليوسف؟
– أنا لا أفهم ألف باء السياسة.
– مش شايف أنها ضد الحكومة؟
– كل واحد وله رأيه.. أنا متعلم فى فرنسا، وعرفت أن حرية الرأى لها احترامها، وإذا أرادت هى أن تغير رأيها وتقف مع الحكومة فهذا من شأنها.
– أنت مسلم والرجال قوامون على النساء!
– أنا لا أعتقد أن هذا الكلام ينطبق على حرية رأى المرأة خاصة إذا كان هذا الرأى فى السياسة.
وأنهى لطفى السيد الاجتماع”.
بانت لنا شخصية لطفى السيد من خلال الحوار، فهو أولا تولى وزارة المعارف فى عهد محمد محمود باشا نائب رئيس حزب الأحرار الدستوريين المنبثق عن حزب الأمة الذى كان يرأسه والده محمود سليمان باشا. هذه الوزارة التى تشكلت فى 25 يونيو 1928، وهى المعروفة باسم اليد القوية، واشترك فيها لطفى السيد، علَّقت الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. والمفترض أن يعترض لطفى السيد أو يقدم استقالته احتجاجا على تعليق الحياة النيابية. كما أعادت الوزارة قانون المطبوعات القديم الصادر سنة 1881، وألغت رخصة مائة صحيفة وأنذرت وعطلت صحفا أخرى، ولم يُبْدِ لطفى السيد اعتراضا على تقييد حرية الصحافة.
فكيف يؤمن لطفى السيد بمبدأ الحرية والعمل بموجب الدستور وهو أول من صمت ولم يحرك ساكنا تجاه صاحب اليد القوية محمد محمود باشا؟!
الأمر الثانى أن لطفى السيد لا يؤمن بحرية المرأة فى القول والعمل، وإنما يرى أن الرجل هو صاحب القوامة، وأن له الحق فى قهرها والتغلب على أمرها، فطلب إلى زكى طليمات زوج روزاليوسف بأن يستغل سلطته كرجل، ويأمرها بأن تكف عن مهاجمة الحكومة، وألا تقول رأيها صراحة. هل هذا يعقل من رجل لا يؤمن إلا بالحرية والاستقلالية منهجا؟ إنه تحول إلى رجل شرقى فى تعامله مع المرأة، وحيث إن الرجل هو الأقوى جسمانيا فله الحق فى إرغام امرأته على التنازل عن رأيها، والالتزام برأيه هو، وإلا فليسخدم الضرب تأديبا لها، فلم نره يقول استخدم العقل وادحض الحجة بالحجة، وإنما القهر والبطش والفتك والإرغام هو الحل عند إعياء الأمر عليه من وجهة نظره.
تغطية مستمرة على مدار الساعة من منصة “غرد بالمصري”:
تابع أحدث الأخبار والتقارير في جميع الأقسام: