بقلم: هبة دسوقي
(معالج نفسي شعوري – معتمد من جامعة ستانفورد الأمريكية_استشاري زواجي وأسري)
حين تتوالى ضغوط الحياة، وتتزاحم المسؤوليات والمواقف التي تستنزف طاقتنا، لا يكون الإنسان في كل مرة بحاجة إلى نصيحة جديدة أو حلول جاهزة، بقدر حاجته إلى مساحة آمنة يستطيع فيها أن يتحدث بحرية، وأن يجد من يصغي إليه بصدق، دون مقاطعة أو أحكام مسبقة.
وتؤكد الخبرات الإنسانية أن الاستماع الحقيقي يمثل أحد أهم أشكال الدعم النفسي والاجتماعي،، لأنه يمنح الإنسان فرصة للتعبير عن مشاعره وفهمها، بدلًا من مقاومتها أو إنكارها. فكثيرًا ما نكتشف أن ما نظنه غضبًا قد يكون حزنًا، وأن ما يبدو انسحابًا قد يكون خوفًا من الخذلان، وأن وراء الصمت احتياجًا إلى الاحتواء والاهتمام.
وتشير هبة دسوقي، المعالج النفسي الشعوري، إلى أن الإنسان يحتاج في لحظات الإرهاق إلى من يساعده على فهم ما يشعر به، وليس بالضرورة إلى من يقدم له إجابات فورية. فالاستماع لا يعني مجرد الصمت أثناء حديث الآخر، وإنما يعني الحضور والاهتمام ومحاولة فهم المشاعر الكامنة خلف الكلمات.
وتوضح أن منح المشاعر حقها في الظهور والتعبير يساعد الإنسان على الاقتراب من ذاته بصورة أكثر وعيًا واتزانًا. فالحزن ليس ضعفًا، والخوف ليس عجزًا، والاحتياج إلى الدعم لا ينتقص من قوة الإنسان، كما أن الاعتراف بالتعب لا يعني الاستسلام، وإنما قد يكون بداية حقيقية للتعامل معه.
وتزداد أهمية هذا الفهم داخل الأسرة والعلاقات الزوجية، حيث يمكن أن يؤدي غياب الاستماع إلى تراكم مشاعر الإحباط وسوء الفهم، بينما يسهم الحوار الهادئ والإنصات المتبادل في بناء مساحة من الثقة والاحتواء. فالطرف الذي يشعر بأنه مسموع ومفهوم يصبح أكثر قدرة على التعبير عن احتياجاته، وأقل ميلًا إلى الانفعال أو الانسحاب.
وتلفت إلى أن كثيرًا من الناس تربوا على إخفاء مشاعرهم بدلًا من فهمها، من خلال عبارات مثل «كن قويًا» أو «لا تحزن» أو «الأمر بسيط». ورغم أن هذه العبارات قد تُقال بدافع الرغبة في التخفيف، فإنها قد تمنح الإنسان رسالة غير مباشرة بأن مشاعره غير مهمة، أو أنه مطالب دائمًا بإخفاء ضعفه.
ومن هنا تأتي أهمية أن نتعلم الاستماع إلى أنفسنا، وأن نتعامل مع مشاعرنا باعتبارها رسائل تحتاج إلى الفهم، لا أحكامًا تستوجب الإدانة. فكلما أصبح الإنسان أكثر وعيًا بمشاعره واحتياجاته وحدوده، أصبح أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة واتخاذ قرارات أكثر هدوءًا.
وفي النهاية، عندما تُرهقنا الحياة، قد لا يكون الحل في كثرة النصائح، وإنما في وجود إنسان يمنحنا وقتًا حقيقيًا للاستماع، ومساحة للتعبير، وقدرًا من الأمان يسمح لنا بأن نكون على حقيقتنا.
