بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي_غرد بالمصري
حين نتحدث عن الأمن الإقليمي، يذهب الذهن غالباً إلى الجيوش والصواريخ والتحالفات، ذلك العالم التقليدي من الدول التي تتحارب أو تتصالح، لكن هناك طبقة أخرى من الفاعلين تعمل في الظل وتعيد تشكيل هذا الأمن من الداخل، طبقة لا تلبس زيًا عسكريًا ولا توقع معاهدات ولا تظهر في بيانات وزارات الخارجية، لكنها تملك من النفوذ ما يجعلها قادرة على التأثير في مصائر دول بأكملها، وهي شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، هذه الشبكات لم تعد مجرد عصابات تهرب المخدرات أو الأسلحة أو البشر، بل تحولت إلى كيانات شبه سياسية تمتلك موارد هائلة وقدرات لوجستية واستخباراتية تضاهي أحياناً قدرات دول صغيرة، وتعمل في الفراغات التي تتركها الدولة الضعيفة أو الفاشلة أو المنشغلة بصراعاتها، وتملأ هذا الفراغ بسلطة بديلة لها قواعدها واقتصادها وقوانينها غير المكتوبة، ما يجعل هذه الشبكات خطيرة على الأمن الإقليمي هو أنها لا تعمل في عزلة عن الجغرافيا السياسية، بل تتشابك معها بشكل وثيق، فكل صراع مسلح يفتح سوقاً جديدة، وكل حدود هشة تصبح ممراً ذهبياً، وكل دولة منهارة تتحول إلى محطة عبور أو ملاذ آمن، في منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحروب والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية، وجدت شبكات الجريمة المنظمة بيئة مثالية للنمو، فالإتجار بالمخدرات عبر سوريا ولبنان إلى الخليج وأوروبا لم يعد مجرد نشاط إجرامي بل أصبح مورداً تمويلياً لجماعات مسلحة وميليشيات، وتهريب الأسلحة من ليبيا إلى الساحل الأفريقي يغذي صراعات لا تنتهي، وتهريب البشر عبر البحر المتوسط تحول إلى صناعة بمليارات الدولارات تستغل يأس اللاجئين وتغذي شبكات إجرامية تمتد من القرن الأفريقي إلى أوروبا، لكن الأخطر من النشاط الإجرامي نفسه هو التقاطع بين هذه الشبكات والسلطة السياسية، ففي كثير من الحالات لم تعد الجريمة المنظمة مجرد ظاهرة تعمل خارج الدولة، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب الذي يدير صراعات كاملة، ومورداً تستخدمه أطراف سياسية وعسكرية لتمويل عملياتها، وأداة في يد دول تستخدمها للضغط على جيرانها أو زعزعة استقرارهم دون أن تترك بصمات مباشرة، وهذا التقاطع هو ما يجعل مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود مسألة أمن قومي وإقليمي في آن واحد، لأن الشبكة التي تهرب المخدرات قد تكون هي نفسها التي تهرب الأسلحة، وهي نفسها التي تغسل الأموال، وهي نفسها التي تتدخل في الانتخابات أو تشتري ذمم مسؤولين أو تمول ميليشيات، فتتحول من ظاهرة جنائية إلى فاعل سياسي لا يمكن تجاهله، والأخطر أن هذه الشبكات تعمل عبر الحدود بسرعة تفوق سرعة استجابة الدول، فتجد الدولة نفسها أمام عدو لا جيش له ولا عاصمة ولا شعار، تتحرك في الخفاء وتتسلل إلى المؤسسات والاقتصادات والمجتمعات، وتستفيد من كل ثغرة قانونية وكل ضعف أمني وكل انقسام سياسي.
وفي هذا السياق، تصبح الحدود نفسها بلا معنى، لأن الجريمة لا تعترف بالسيادة ولا تحترم القوانين الوطنية، وتستخدم التكنولوجيا الحديثة في التشفير والاتصالات والتمويل الرقمي لتبقى دائماً خطوة من أجهزة الأمن، ما يفرضه هذا الواقع هو إعادة تعريف الأمن الإقليمي نفسه، فلم يعد ممكناً الحديث عن أمن دولة بعينها دون الحديث عن أمن شبكات الجريمة التي تعبر أراضيها، ولم يعد ممكناً مواجهة هذه الشبكات بمنطق أمني ضيق يعتمد على القوة وحدها، بل لا بد من مقاربة شاملة تجمع بين التعاون الاستخباراتي بين الدول، وتقوية المؤسسات القضائية والرقابية، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى أحضان هذه الشبكات، وقطع الروابط بينها وبين السلطات السياسية التي تحميها أو تستفيد منها.
في النهاية، الجريمة المنظمة لم تعد هامشاً على خريطة الأمن الإقليمي بل أصبحت جزءاً من نسيجه، وهي لا تهدد الدولة من الخارج فقط بل تنخرها من الداخل، وتعيد تشكيل مفاهيم السيادة والحدود والقوة بطرق لم يعتدها الفكر الأمني التقليدي، ومن لا يرى هذا التقاطع بين الجريمة والجيو سياسية سيبقى ينظر إلى نصف الصورة فقط، بينما النصف الآخر يعمل في الظل ويصنع مستقبل المنطقة بطرق لا تظهر في أي بيان رسمي
