الشرق الأوسط بين التنافس والتصعيد… من الخليج إلى طهران ومصر كصوت العقل
قراءة في تشابك المصالح وتحولات القوة في الإقليم
Contents
بقلم د/رمضان بلال
في لحظة تاريخية معقدة من عمر الشرق الأوسط، تتداخل مسارات السياسة بالاقتصاد بالأمن، لتنتج مشهدًا بالغ الحساسية، حيث لم تعد العلاقات بين القوى الإقليمية تُقاس فقط بمنطق التحالفات التقليدية، بل بمنطق إعادة تشكيل النفوذ ومراكز التأثير.
أولًا: التنافس الخليجي بين السعودية والإمارات
تشير التطورات خلال السنوات الأخيرة إلى أن العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، رغم متانتها التاريخية والتحالفات المشتركة، قد شهدت تباينات واضحة في بعض الملفات الاقتصادية والتنموية والاستراتيجية.
هذا التباين لا يمكن وصفه بالعداء أو القطيعة، بل هو أقرب إلى “تنافس استراتيجي” بين نموذجين صاعدين داخل الخليج؛ كل منهما يسعى إلى تعزيز مكانته كمركز إقليمي مؤثر في مجالات الاستثمار والطاقة والموانئ والتكنولوجيا والسياحة.
هذا التنافس، رغم أنه يفتح آفاقًا للتنمية وتسريع المشاريع الكبرى، إلا أنه يحمل في طياته خطورة إذا ما تحول من مسار التكامل إلى مسار التباين غير المنضبط، لأن أي فراغ في التنسيق قد ينعكس على وحدة القرار العربي في ملفات الإقليم الحساسة.
ثانيًا: منطقة الخليج بين التنافس الإقليمي والتصعيد مع إيران
في سياق أكثر تعقيدًا، برزت حالة من التوتر بين بعض دول الخليج وإيران، سواء عبر التصريحات السياسية أو الأحداث الأمنية المتفرقة التي طالت منشآت أو مواقع حساسة في المنطقة، في إطار ما يُعرف بحروب الظل والردع غير المباشر.
هذا التصعيد، سواء كان مباشرًا أو عبر أطراف غير معلنة، يعكس طبيعة مرحلة جديدة تقوم على “إدارة التوتر” بدلًا من حسمه، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الرسائل السياسية، وتتحول المنطقة إلى ساحة اختبار للردع المتبادل.
انعكاسات هذا التوتر لم تتوقف عند حدود الخليج، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، خاصة مع ارتباط المنطقة بممرات الطاقة والتجارة الدولية، مما جعل أي تصعيد—even محدود—يُحدث اضطرابًا في أسواق النفط والشحن البحري.
ثالثًا: انعكاسات المشهد على الإقليم وردود الفعل الدولية
على المستوى العربي، تراوحت المواقف بين الدعوة إلى ضبط النفس وتغليب لغة الحوار، وبين التحذير من الانزلاق إلى مواجهات واسعة قد لا تُحمد عقباها، في منطقة تعاني أصلًا من تراكم أزمات متعددة.
أما دوليًا، فقد ساد القلق من احتمالية توسع رقعة التوتر، خصوصًا في ظل حساسية الخليج باعتباره شريانًا رئيسيًا للطاقة في العالم، ما دفع القوى الكبرى إلى التشديد على أهمية احتواء التصعيد ومنع انفلاته.
رابعًا: من المستفيد من استمرار حالة التوتر؟
في قلب هذا المشهد المعقد، تبرز إسرائيل كأحد الأطراف غير المباشرة الأكثر استفادة من حالة الاستنزاف الإقليمي، حيث يؤدي انشغال القوى العربية والإقليمية بصراعاتها المتعددة إلى تقليل فرص تشكل موقف موحد تجاه القضايا المصيرية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
إن حالة التشظي السياسي الإقليمي تمنح أطرافًا أخرى مساحة أوسع للتحرك الاستراتيجي، سواء في بناء تحالفات جديدة أو توسيع النفوذ الأمني والسياسي في أكثر من ساحة.
خامسًا: الدور المصري… سياسة إطفاء الحرائق لا إشعالها
في المقابل، تبرز مصر كقوة مركزية تدرك أن استقرار الخليج والمنطقة جزء لا يتجزأ من استقرار الأمن القومي العربي.
وتتبنى القاهرة نهجًا يقوم على احتواء الأزمات بدلًا من تصعيدها، وتعزيز قنوات الحوار بدلًا من الانزلاق إلى المواجهة، انطلاقًا من خبرة تاريخية طويلة في إدارة التوازنات الإقليمية.
فمصر تنظر إلى أن أي انفجار واسع في الخليج أو شرق المتوسط أو الممرات الحيوية سيؤثر مباشرة على استقرار المنطقة بأكملها، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
سادسًا: ماذا بعد؟ السيناريوهات القادمة
المشهد الإقليمي يقف أمام ثلاثة مسارات محتملة:
أولًا: نجاح مسارات التهدئة والتحول نحو تفاهمات أمنية تقلل من احتمالات الصدام المباشر.
ثانيًا: استمرار “حرب الظل” عبر التوترات المحدودة والرسائل غير المباشرة دون انفجار شامل.
ثالثًا: السيناريو الأخطر، وهو انزلاق غير محسوب قد يؤدي إلى مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود الخليج وتمتد إلى أكثر من ساحة.
الخلاصة أن المنطقة تقف اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: إما تحويل التنافس إلى أداة بناء وتنمية، أو تركه يتحول إلى وقود لصراعات مفتوحة يدفع الجميع ثمنها.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
هل تنتصر الحكمة قبل أن يتقدم منطق القوة؟
