الصفا والمروة.. التاريخ والفضائل والأحكام وقصة أم مؤمنة

نجاح حجازي
nagah hegazy

الصفا والمروة.. التاريخ والفضائل والأحكام

قصة أم مؤمنة,في وادٍ جاف بلا ماء ولا أنيس، ترك إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنها إسماعيل بأمر الله. سألته هاجر بيقين: “آلله أمرك بهذا؟” قال: نعم. فقالت: “إذن لن يضيعنا”. هذا اليقين هو الذي حوّل محنتها إلى مدرسة إيمانية خالدة، لتبقى خطواتها درسًا خالدًا في التوكل والثقة برحمة الله.

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

كيف يتحول سعي أم مؤمنة في وادٍ جاف إلى شعيرة خالدة يحييها ملايين المسلمين حتى يوم القيامة؟ إنها قصة السيدة هاجر عليها السلام، التي جسدت أروع صور اليقين والتوكل مع الأخذ بالأسباب. فالسعي بين الصفا والمروة ليس مجرد عبور بين جبلين، بل هو مدرسة إيمانية عظيمة تجسد يقين هاجر حين اجتمع استنفاد الأسباب مع الثقة التامة بالله، لتظل هذه الشعيرة شاهدًا حيًا على أن الفرج يولد من الرحمة والثقة بالله.

السعي هو الركن الرابع من أركان الحج، يقوم على قطع المسافة بين الصفا، وهو قمة جبل أبي قبيس، والمروة، وهي نهاية جبل قعيقعان، سبع مرات. وتعود التسمية إلى طبيعة الحجر؛ فالصفا يتميز بالبياض والصلابة، واشتق اسمه من صفا يصفو أي الخلوص من التراب والطين، أما المروة فهي الحجارة السوداء اللينة وقيل البيضاء.

إن السعي إحياء لذكرى السيدة هاجر عليها السلام، تلك المرأة التي جسدت أروع صور التوكل على الله. فقد جاء بها إبراهيم عليه السلام ومعها ابنها الرضيع إسماعيل حتى وضعهما عند البيت قرب دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، ولم يكن بمكة يومها أحد ولا ماء. تركهما ومعهما جراب تمر وسقاء ماء، ثم انصرف. تبعته هاجر تسأله: إلى أين تذهب وتتركنا في وادٍ بلا أنيس ولا شيء؟ كررت السؤال وهو لا يلتفت، حتى قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فقالت: إذن لن يضيعنا. رجعت، ومضى إبراهيم حتى بلغ الثنية حيث لا يُرونه، فاستقبل البيت ودعا: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى ﴿يَشْكُرُونَ﴾.

ظلّت ترضع ابنها وتشرب من الماء حتى نفد، فعطشت وعطش ابنها، ورأته يتلوى من العطش. فانطلقت مبتعدة عنه، فصعدت الصفا ونظرت فلم تر أحدًا، ثم سعت في الوادي حتى بلغت المروة، وكررت ذلك سبع مرات. قال النبي: «فذلك سعي الناس بينهما». وهكذا تحولت خطواتها البسيطة إلى شعيرة خالدة، تذكّر الأمة أن السعي ليس مجرد حركة بين جبلين، بل استحضار لليقين برعاية الله، وأن الأخذ بالأسباب مهما كانت بسيطة هو بداية الفرج الإلهي.

 

حكم السعي بين الصفا والمروة

الجمهور: ركن من أركان الحج
المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن السعي ركن لا يصح الحج أو العمرة بدونه.
استدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وبحديث النبي ﷺ: «اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي»، وبقول عائشة رضي الله عنها إن الحج أو العمرة لا يكتملان إلا به.

الحنفية: واجب وليس ركنًا
يرون أن السعي واجب، فمن تركه فعليه دم (ذبح شاة) جبرًا.
ويكفي أن يكون الحاج بين الصفا والمروة سواء ماشيًا أو محمولًا لعذر.
أما من سعى راكبًا أو محمولًا بلا عذر فلا يبطل نسكه، لكن يلزمه دم لترك واجب المشي.

 

شروط السعي وواجباته

الشرط الأول: استيعاب المسافة
يجب قطع كامل المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط.

النقص يبطل الشوط لأنه عبادة محددة بحدودها.

محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.

الشرط الثاني: الترتيب
يبدأ الساعي من الصفا ويختم بالمروة.

من بدأ بالمروة ألغي شوطه، لحديث النبي ﷺ: «ابدؤوا بما بدأ الله به».

الجمهور يشترط البدء بالصفا، بينما الحنفية في رواية لا يرون ذلك شرطًا.

الشرط الثالث: العدد
إكمال سبعة أشواط كاملة (ذهاب شوط وإياب شوط).

دليل ذلك فعل النبي ﷺ وقول ابن عمر رضي الله عنهما:”قدِمَ النَّبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ فطافَ بالبَيتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ سَعى بينَ الصَّفا والمَروةِ” [البخاري، صحيح البخاري، (١٦٤٧)

النقص يبطل السعي.

الشرط الرابع: الترتيب بين الطواف والسعي
الجمهور(الأئمة الأربعة): يشترط أن يقع السعي بعد طواف صحيح.

الظاهرية وعطاء والثوري ورواية عن أحمد: يجوز تقديم السعي على الطواف، لحديث «افعل ولا حرج».[البخاري، الصحيح

الشرط الخامس: الموالاة بين الأشواط
المالكية والحنابلة: يشترطون الموالاة لأن السعي عبادة واحدة.

الحنفية والشافعية: لا يشترطون الموالاة، فلو فرق بين الأشواط صح سعيه.

مسألة: قطع السعي للصلاة
إذا أقيمت الصلاة أثناء السعي، يقطع الساعي سعيه ويصلي ثم يتم ما بقي.

هذا مذهب الجمهور، لحديث النبي ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».[مسلم، صحيح مسلم، (٧١٠)

سنن السعي وآدابه المستحبة

الاستفتاح بالذكر والقرآن
يُسنّ عند بدء السعي من الصفا قراءة قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾. [البقرة: ١٥٨]

يستحب الدعاء: «اللهم اغفر وارحم، واعفُ عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم».

الدعاء على الصفا والمروة
يُشرع الرقي على الصفا حتى يرى البيت أو يستقبله.

يكبر ثلاثًا ويوحد الله ويقول:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ…» لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مُكَرِّرًا ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَعَ الدُّعَاءِ بَيْنَهُنَّ. [مسلم، الصحيح، ].

يفعل مثل ذلك على المروة في كل شوط.

الهرولة للرجال
يُسنّ للرجل الهرولة بين العلامتين الخضراوين فقط.

يمشي فيما عدا ذلك، اقتداءً بفعل النبي ﷺ في حديث جابر.- رضي الله عنه – “حتى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سَعى، حتى إذا صَعِدَتَا مَشى” [مسلم: الصحيح، (١٢١٨)، النووي، المجموع، ٨ / ٧٥].

محل إجماع في الاستحباب.

المشي للنساء
أجمع الفقهاء على أن المرأة لا تهرول في السعي.

تمشي جميع المسافة محافظةً على الستر والوقار.

حكم الركوب في الطواف للقادر والعاجز

العاجز: اتفاق الفقهاء

  • إذا كان الحاج أو المعتمر عاجزًا عن المشي، يجوز له الركوب (على عربة أو غيرها).
  • لا فدية عليه، والطواف صحيح باتفاق الفقهاء.

القادر: اختلاف المذاهب

  • الحنفية والحنابلة: المشي واجب في الطواف فرضًا ونفلًا. من طاف راكبًا بلا عذر لزمه دم (شاة)، إلا أن يعيد الطواف ماشيًا. واعتبروا ركوب النبي ﷺ خاصًا بالتعليم أو خصوصية له.
  • الشافعية ورواية عن أحمد: أجازوا الركوب بلا كراهة للقادر والعاجز. استدلوا بفعله ﷺ، وقالوا الأصل الاقتداء به ما لم يثبت دليل الخصوصية. هذا القول أقرب لمقاصد التيسير.
  • المالكية: فرّقوا بين الطواف:
    • في الفرض (مثل طواف الإفاضة): أوجبوا المشي.
    • في النفل: استحبوا المشي، ولم يوجبوه.

الصفا والمروة

أسئلة وأجوبة حول السعي بين الصفا والمروة

ما معنى السعي بين الصفا والمروة؟

هو التعبد لله بالمشي بين الصفا والمروة سبعة أشواط ضمن مناسك الحج أو العمرة.

هل السعي ركن أم واجب؟

السعي ركن عند جمهور الفقهاء، ولا يصح النسك بدونه.

هل تشترط الطهارة للسعي؟

الجمهور على أنها مستحبة وليست شرطًا لصحة السعي.

لماذا يهرول الرجال بين العلمين؟

اقتداءً بسعي السيدة هاجر عليها السلام وبفعل النبي ﷺ، حيث كان يسرع بين العلمين الأخضرين.

هل يجوز السعي بالعربة؟

يجوز للعاجز والمريض ومن تلحقه المشقة، ولا حرج في ذلك.

 السعي بين الصفا والمروة ليس مجرد حركة بين جبلين، بل مدرسة إيمانية تجمع بين دقة الفقه وعمق الروح، حيث تتلاقى الأحكام الشرعية مع المعاني الإيمانية لترسم للمؤمن طريق النجاة.

المصدر: دار الافتاء المصرية

Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!