بقلم: أشرف عبد الحميد_مصر
المقاصة ليست منحة إسرائيلية بل هي 70% من أموال الشعب الفلسطيني نفسه. وفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي 1994 الملحق باتفاق أوسلو، لا يملك الفلسطيني ميناءً ولا مطاراً ولا معبراً سيادياً، لذلك إسرائيل هي التي تجمع الضرائب والجمارك على كل بضاعة تدخل للضفة وغزة عبر موانئها.
1- ما هي المقاصة؟ ليست منحة إسرائيلية
كل علبة دواء، كل لتر بنزين، كل كيس طحين، كل سيارة، إسرائيل تأخذ ضريبتها أولاً ثم يفترض أن تحولها لبيانات خزينة وزارة المالية الفلسطينية آخر كل شهر. الرقم يصل إلى 750 مليون شيكل شهرياً حوالي 200 مليون دولار. هذه هي شريان حياة السلطة، وبدونها لا رواتب ولا مدارس ولا مستشفيات.
2- كيف تحولت المقاصة لسلاح ابتزاز سياسي؟
منذ عام 2019 حولت إسرائيل المقاصة من آلية اقتصادية إلى سلاح سياسي:
أولاً: اقتطعت مخصصات الشهداء والأسرى بحجة أنها “تدعم الإرهاب”، حوالي 50 مليون شيكل شهرياً.
ثانياً: احتجزت أكثر من 3 مليارات شيكل بحجة أن السلطة تحول أموالاً لغزة.
ثالثاً: بعد 7 أكتوبر 2023 قررت حكومة نتنياهو-سموتريتش احتجاز كل أموال غزة، 250 مليون شيكل إضافية شهرياً، وقالت لن نحول قرشاً واحداً لغزة حتى لو كان ثمن دواء.
اليوم إسرائيل تحتجز أكثر من 6 مليارات شيكل من أموال الفلسطينيين في خزانتها. والنتيجة المباشرة: السلطة الفلسطينية تدفع 60% فقط من رواتب 140 ألف موظف منذ سنتين، والموظف والمعلم والطبيب الفلسطيني يتسلم نصف راتب، والاقتصاد الفلسطيني على حافة الانهيار.
3- أوسلو صنعت اقتصاداً بلا سيادة
ما يحدث في المقاصة يكشف عورة أوسلو الاقتصادية. أوسلو صنعت سلطة بلا جيش كما قلنا في المقال السابق، وصنعت أيضاً اقتصاداً بلا سيادة:
لا عملة وطنية، العملة هي الشيكل الإسرائيلي.
لا بنك مركزي فلسطيني يطبع أو يتحكم.
لا سيطرة على المعابر، 90% من الواردات الفلسطينية تأتي عبر إسرائيل.
حتى الكهرباء والماء والوقود تشتريها السلطة من إسرائيل وتخصم فاتورتها مباشرة من المقاصة قبل أن تصل.
يعني إسرائيل تبيع للفلسطيني، وتأخذ ضريبته، وتحتجز ضريبته، وتقطع عنه الكهرباء إذا لم يدفع ثمن بضاعته التي اشتراها منها. هذا ليس اقتصاد دولة، هذا اقتصاد تحت احتلال كامل.
4- ماذا لو انهارت المقاصة غداً؟
انهيار المقاصة يعني انهيار السلطة فوراً. لا رواتب، البنوك الفلسطينية بلا غطاء، المستشفيات بلا دواء، المدارس بلا تشغيل. وهذا هو ما يريده وزير المالية الإسرائيلي المتطرف سموتريتش الذي قال علناً: “سأجفف أموال السلطة حتى تسقط”.
الهدف ليس مالياً بل سياسي؛ إجبار السلطة على القبول بسلطة شكلية بلا رواتب وبلا خدمات، أو دفعها للانهيار التام لتبرير تنفيذ خطة الضم وفرض إدارة مدنية إسرائيلية مباشرة على الضفة وتحويلها إلى كانتونات.
والبديل الخطير الذي تطرحه إسرائيل وأمريكا الآن: أن تدفع الرواتب مباشرة للموظفين عبر آلية دولية دون المرور بالسلطة الفلسطينية، أي تحويل الفلسطيني من موظف في سلطة وطنية إلى متلقي مساعدات إنسانية.
5- ما هو الحل؟
لا حل اقتصادي بدون حل سياسي. لا يمكن إصلاح المقاصة وهي بيد الاحتلال:
الحل الأول الذي نصت عليه أوسلو ولم ينفذ: مقاصة سيادية فلسطينية عبر ميناء غزة ومطار الضفة ومعابر سيادية فلسطينية تجمع الضرائب بنفسها.
الحل الثاني المطروح الآن من مصر والأردن: تحويل المقاصة إلى آلية دولية بإشراف النرويج والاتحاد الأوروبي، حيث تحول إسرائيل الأموال لصندوق دولي محايد يضمن وصولها للسلطة ولا تستخدمها كسلاح ابتزاز.
لكن إسرائيل ترفض أي وصاية دولية، لأن المقاصة هي آخر ورقة ابتزاز قوية بيدها بعد أن فقدت ورقة الأمن.
الخلاصة تؤكد أن المقاصة ليست منحة إسرائيلية، بل تكشف حقيقة أوسلو ودولة بلا جيش واقتصاد بلا سيادة. لا يمكن أن تبني دولة وأنت لا تملك خزانتها ومفتاح كهربائها ومائها. إسرائيل لم تخلق المقاصة لتساعد الفلسطيني بل لتراقبه وتجوعه وقت الحاجة. ومن يملك راتبك يملك قرارك.
