فيينا تستضيف خبراء أمميين ومنظمات دولية لعرض تجارب في الوقاية من العنف والجريمة بين الأطفال والشباب

nagah hegazy

تجارب في الوقاية من العنف والجريمة بين الأطفال والشباب

✍️ بقلم: هالة المغاوري – فيينا
كيف يمكن حماية الأطفال والشباب من الانجرار نحو العنف والجريمة ؟ وهل تبدأ الوقاية داخل الأسرة أم في المدرسة أم عبر مؤسسات الدولة؟ هذه الأسئلة شكلت محور نقاشات دولية شهدها مقر الأمم المتحدة في فيينا خلال فعالية جانبية نُظمت على هامش أعمال الدورة الخامسة والثلاثين للجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية (CCPCJ35)، تحت عنوان: “It Takes a Village to Raise a Child – A Multisectoral Approach in Establishing an Environment of Prevention and Protection”.
وجمعت الفعالية مسؤولين أمميين وخبراء في مجالات التعليم والتنمية والوقاية من الجريمة وبناء السلام من عدة دول، حيث استعرضوا تجارب ومبادرات تهدف إلى بناء بيئات آمنة للأطفال والشباب وتعزيز عوامل الحماية التي تحول دون انجرافهم نحو العنف أو السلوكيات الخطرة.
افتتحت الجلسة الدكتورة مايا ريو (Dr. Maya Riew)، مديرة مكتب الأمم المتحدة للاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام في فيينا (Director, WFWP UN Office Vienna)، فيما ألقت الكلمة الرئيسية السيدة موريكو هوري (Moriko Hori)، الرئيسة الدولية للاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام (International President, Women’s Federation for World Peace International).
وأكدت هوري أن الوقاية من الجريمة لا تبدأ عند وقوع المخالفة أو دخول الشاب إلى منظومة العدالة الجنائية، بل تبدأ في السنوات الأولى من حياته، مشددة على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في بناء القيم والسلوكيات الإيجابية. وأشارت إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات مستقرة ويتلقون الدعم والتوجيه المناسبين يكونون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الاجتماعية والنفسية وأقل عرضة للانخراط في السلوكيات الخطرة.
من جانبها، أكدت النائبة العامة جينيفيف برنابي ناغانو (Attorney General Genevieve Bernabe-Nagano)، ممثلة البعثة الدائمة للفلبين لدى الأمم المتحدة في فيينا (Permanent Mission of the Philippines to the United Nations in Vienna)، أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الحكومات والأسر والمدارس ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص. واستعرضت جهود الفلبين في مكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت وتعزيز حماية الأطفال في البيئة الرقمية.
وقدمت الدكتورة ماريا غابرييلا توماسيني (Dr. Maria Gabriela Tomassini)، الطبيبة والباحثة في مجال تطور الدماغ البشري (Medical Doctor and Anesthesiologist)، عرضًا علميًا تناول مراحل نمو الدماغ لدى الأطفال والمراهقين. وأوضحت أن المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرارات وضبط السلوك لا يكتمل نموها قبل سن الخامسة والعشرين تقريبًا، ما يجعل المراهقين أكثر عرضة للتأثر بالعوامل المحيطة بهم. وأكدت أن الاستقرار الأسري والدعم العاطفي يشكلان عنصرين أساسيين في بناء شخصية متوازنة قادرة على اتخاذ قرارات سليمة.
كما استعرضت كارين بيترز (Karen Peters)، مسؤولة برامج الوقاية من تعاطي المخدرات في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (Drug Use Prevention Programme Officer, UNODC)، مبادرة CHAMPS – Children Amplified Prevention Services، التي تهدف إلى بناء أنظمة وطنية شاملة للوقاية تبدأ منذ الطفولة المبكرة وتستمر حتى سن الثامنة عشرة. وأوضحت أن المبادرة تعتمد على نهج علمي متعدد القطاعات يشمل الأسرة والمدرسة والمجتمع، ويتم تنفيذها حاليًا في عدد من الدول بدعم من حكومات ومؤسسات دولية.
وفي محور التعليم، تحدث كريستيان كلار (Christian Klar)، مدير مدرسة ثانوية في فيينا (Headmaster of a Secondary School in Vienna)، عن التحديات التي تواجه المدارس الأوروبية في ظل التنوع الثقافي والاجتماعي المتزايد. وأشار إلى أن المدارس باتت تتعامل مع قضايا معقدة تشمل ضعف الاندماج اللغوي والزواج القسري والعنف الأسري والانحراف المبكر، مؤكداً أن المدرسة أصبحت تؤدي دوراً يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى الحماية الاجتماعية والوقاية من المخاطر.
ومن الأردن، شاركت رؤى أبو جاويش (Roa Abo Jaweesh)، ممثلة الاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام في الأردن (Women’s Federation for World Peace Jordan)، حيث استعرضت برامج المنظمة في دعم الأسر وتمكين الشباب من خلال التعليم القائم على القيم والعمل التطوعي وتنمية المهارات القيادية. وأكدت أن غياب الشعور بالانتماء وافتقار الشباب إلى المساحات الآمنة من أبرز العوامل التي تزيد من احتمالات الانحراف والعنف، مشيرة إلى أن بناء الثقة بالنفس وتعزيز التواصل داخل الأسرة يساهمان بشكل مباشر في حماية الشباب.
واختتمت الجلسة هالة أبو ساري (Hala Abu-Saris) من منظمة Debate for Peace، وهي منظمة تعمل على جمع الطلاب العرب واليهود في برامج تعليمية وحوارية مشتركة. وتحدثت عن أهمية التعليم غير الرسمي في بناء جسور التفاهم بين الشباب من خلفيات مختلفة، مشيرة إلى برامج المنظمة التي تعتمد على الكتابة والمناظرات والمحاكاة الدبلوماسية لتعزيز الحوار والتعاون.
وأكدت أبو ساري أن الكثير من مظاهر العنف ترتبط بمشاعر التهميش وغياب الفرص وعدم الشعور بالانتماء، مشددة على أن الوقاية من الجريمة لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تتطلب توفير بيئات يشعر فيها الشباب بأن أصواتهم مسموعة وأن لهم دورًا في المجتمع. واختتمت مداخلتها بسؤال لخص روح الجلسة: “إذا كان بالإمكان تعليم الكراهية، فلماذا لا يمكن تعليم السلام أيضًا؟”
وعلى الرغم من اختلاف تجارب المتحدثين وخلفياتهم المهنية، من خبراء الأمم المتحدة والباحثين والأكاديميين إلى العاملين في الميدان مع الأسر والشباب، فإن الرسالة التي تكررت طوال الجلسة كانت واحدة: أن الوقاية من الجريمة لا تبدأ داخل السجون أو قاعات المحاكم، بل في اللحظة التي يشعر فيها الطفل بالأمان، ويجد الشاب من يستمع إليه، وتحصل الأسرة على الدعم الذي يمكنها من أداء دورها.
وبينما استعرض المشاركون نماذج من اليابان والأردن والنمسا والفلبين وإسرائيل وبرامج الأمم المتحدة الدولية، برز اتفاق واضح على أن الاستثمار في التعليم والأسرة والحوار وبناء الانتماء يمثل خط الدفاع الأول ضد العنف والجريمة. وخلصت المناقشات إلى أن المجتمعات الآمنة لا تُبنى داخل السجون أو المحاكم، بل تُبنى عندما يجد الطفل فرصة للتعلم، ويجد الشاب من يستمع إليه، وتجد الأسرة الدعم الذي يمكّنها من أداء دورها، قبل أن تتحول الأزمات الاجتماعية إلى عنف أو جريمة يصعب احتواؤها لاحقًا.
Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظركإلغاء الرد

error: Content is protected !!
Exit mobile version