حرس الذكريات.. لماذا نحب الماضي أكثر مما ينبغي؟

بقلم: مريم جلال
في ركن ما من عقولنا، هناك دائماً “متحف” صغير، نعلق فيه صوراً باهتة لأيام مضت، ونعيد فيه تشغيل ذكريات قد تكون عادية جداً في حينها، لكنها تبدو الآن بفعل عدسات النوستالجيا وكأنها جنة مفقودة، النوستالجيا ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي محاولة لا شعورية للهروب من قلق الحاضر نحو أمانٍ مفترض.
وهم “الزمن الجميل”
نحن لا نحن إلى الماضي لأن الحاضر أسوأ بالضرورة، بل لأن الماضي “مكتمل“، في ذاكرتنا، نملك القدرة على تنقية الأحداث، حذف الإخفاقات، وتجميل لحظات الضعف.
الماضي في عقولنا أشبه بكتاب انتهت كتابته، نعرف نهايته، ونأمن مفاجآته، أما المستقبل، فهو صفحة بيضاء تثير فينا رعب المجهول، والحاضر هو عبء المسؤولية المباشرة.
لذا، نلجأ للماضي كنوع من “التخدير العاطفي”، نستدعي موسيقى قديمة، أو رائحة مكان لم يعد موجوداً، أو حتى تفاصيل اجتماعية بسيطة، لنشعر أننا ننتمي إلى شيء ثابت في عالمٍ لا يتوقف عن التغير.
فخ السجن الذهبي
المشكلة تبدأ عندما يتحول الحنين من “استراحة محارب” إلى “سجن ذهبي، عندما نصبح مشغولين بمقارنة حياتنا الحالية بأيامنا الخوالي، فإننا نفقد القدرة على الاستمتاع بما نعيشه الآن، نصبح كمن يسير إلى الأمام وعيناه مثبتتان في المرآة الخلفية للسيارة؛ خطر الاصطدام يزداد، ومتعة الطريق تضيع.
إن الإفراط في النوستالجيا يولد نوعاً من “الاستياء الصامت” من الواقع، نرى عيوب اليوم بوضوح، ونرى مثالية الأمس بوهم، مما يجعلنا نشعر أن أفضل أيامنا قد ولت، وأننا نعيش في “زمن بديل”.
كيف نستثمر الحنين؟
الحنين ليس خطأً، بل هو جزء من تكويننا، السر يكمن في كيفية استخدامه:
الحنين كوقود لا كملجأ: اجعل ذكرياتك الجميلة دافعاً لتبني ذكريات أجمل في الحاضر، لا أن تكون بديلاً عنها.
وعي المسافة الزمنية: ذكر نفسك دائماً بأن “جمال الماضي” ينبع من كونه انتهى، لو كان الماضي مثالياً جداً، لما تطورنا لنكون حيث نحن الآن.
خلق “لحظات المستقبل”: بدلاً من الغرق في ذكرى قديمة، حاول أن تعيش لحظة واحدة اليوم تكون كافية لأن تحن إليها بعد عشر سنوات، اجعل الحاضر جديراً بأن يذكر.
الإنسان.. جسر بين زمنين
نحن لسنا مدعوين للعيش في الماضي، ولا نحن قادرون على سكن المستقبل، نحن “كائنات آنية” بامتياز، النوستالجيا هي تذكيرنا بأننا أحببنا، تألمنا، وعشنا، وهذا هو جوهر رحلتنا.
لا بأس بأن تزور متحف ذكرياتك من حين لآخر، استنشق عبق الماضي، وابتسم لما كان، لكن لا تبن فيه بيتاً.
اخرج منه دائماً لتواجه الشمس، لتصنع حكاية جديدة، ولتدرك أن كل لحظة نعيشها الآن، بكل تعبها وتحدياتها، ستصبح يوماً ما “زمناً جميلاً” جديداً لشخصٍ آخر، أو حتى لأنفسنا في المستقبل.