حين تنتهي فرص الغفران.. لا ينفع الندم!

By nagah hegazy
الواعظة هند أبو عوالي

بقلم: الواعظة هند أبو عوالي

خاص بـ: منصة «غرد بالمصري»

هناك أخطاء لا تقتل الحب في لحظة، لكنها تترك في روحه جروحًا تتسع مع كل خذلان، حتى يأتي يوم يصبح فيه العفو أصعب من الرحيل، وتصبح العودة مستحيلة مهما حملت الكلمات من اعتذار، ومهما سالت الدموع ندمًا على ما فات.
إن من أقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يهدم بيديه حبًا حقيقيًا، وأن يفرّط في قلب منحه الأمان، واحتواه رغم عيوبه، وسامحه رغم أخطائه، وفتح له أبواب العودة مرة بعد أخرى، ظنًا منه أن الحب قادر على إصلاح ما أفسدته الأيام. لكن للحب حدودًا، وللصبر نهاية، وللعفو مساحة قد تضيق حين يتحول التسامح إلى فرصة متكررة للإيذاء.
هكذا هم بعض البشر؛ لا يشعرون بقيمة الأكسجين إلا حين يختنقون، ولا يعرفون قيمة النور إلا عندما يغرقون في الظلام، ولا يدركون قيمة القلوب الصادقة إلا عندما تُغلق أبوابها ويرحلون عنها بلا رجعة.
عن الفرص الضائعة أتحدث.. عن تلك اللحظات التي كان يمكن فيها لكلمة صادقة أن تنقذ علاقة، ولاعتذار حقيقي أن يرمم قلبًا، ولخطوة شجاعة أن تعيد الثقة إلى مكانها، لكن الكبرياء كان أقوى، والعناد كان أعلى صوتًا، وظن المخطئ أن الطرف الآخر سيظل واقفًا في مكانه، ينتظر عودته مهما طال الغياب.
وعن الحب الإلهي أتحدث.. عن نعم الله التي تحيط بنا، وعن أبواب التوبة التي يفتحها لنا، وعن الفرص التي يمنحها لعباده كي يعودوا إليه، فيخطئ الإنسان ثم يستغفر، ويتعثر ثم ينهض، ويبتعد ثم يعود بقلب صادق يرجو الرحمة والمغفرة. فالله سبحانه وتعالى واسع الرحمة، يقبل توبة من تاب إليه بصدق، ولا يجوز للإنسان أن يحكم على نفسه أو على غيره بأن باب التوبة قد أُغلق ما دام الله قد فتحه.
لكن الرسالة التي ينبغي أن نفهمها أن الفرص ليست دعوة للاستمرار في الخطأ، وأن التسامح ليس تصريحًا بتكرار الأذى، وأن الاعتذار الذي لا يتبعه تغيير حقيقي قد يفقد معناه مهما تكررت كلماته.
وعندما ندرك كم مرة منحنا إنسان فرصة ليسامحنا، وكم مرة ابتلع وجعه حتى لا يخسرنا، وكم مرة اختار البقاء رغم قدرته على الرحيل، قد نكتشف أننا لم نكن نختبر قوة حبه، بل كنا نستنزف آخر ما تبقى في قلبه من قدرة على الاحتمال.
ثم يأتي اليوم الذي لا نجد فيه ذلك القلب، ولا نسمع فيه صوته، ولا نرى فيه الرغبة القديمة في إصلاح ما انكسر. عندها نفهم أن بعض النهايات لا تأتي لأن الحب اختفى تمامًا، بل لأن الألم أصبح أكبر من قدرة صاحبه على الاستمرار.
والحقيقة التي قد تؤلمنا أن الندم لا يعيد دائمًا ما أضعناه، والاعتذار لا يضمن استعادة ما كسرناه، والحب وحده لا يكفي لإنقاذ علاقة يرفض أحد أطرافها أن يتغير.
لذلك، لا تؤجل الاعتذار الصادق، ولا تختبر صبر من يحبك، ولا تتعامل مع التسامح وكأنه حق مكتسب لا ينتهي. أصلح خطأك قبل أن تتحول الفرصة إلى ذكرى، والوجود إلى غياب، والحب إلى درس لا يُنسى.
فإذا ضاعت فرصة من إنسان، فقد لا تعود، وإذا أخطأت في حق الله، فباب التوبة مفتوح لمن صدق في رجوعه إليه.
أما الحكم النهائي، فليس أن يعيش المخطئ أسير الندم بقية عمره، بل أن يتعلم من خطئه، ويتحمل مسؤوليته، ويُصلح ما يستطيع إصلاحه، ويقبل أن بعض القلوب التي جرحها قد تختار الرحيل.
فلا تجعل ندمك يأتي بعد فوات الأوان، ولا تنتظر الاختناق حتى تعرف قيمة الأكسجين، ولا تنتظر الرحيل حتى تدرك قيمة من كان يمنحك الحب دون مقابل.
فالفرصة التي بين يديك اليوم قد تكون آخر فرصة.. وغدًا قد لا يبقى لك سوى درسٍ تعلمته متأخرًا!
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!