حَيْرَةُ الحَرْفِ
كلمات حمدي عبدالوهاب
تَتَزَاحَمُ دَاخِلِي أَفْكَارٌ
وَتُلْقِي اللَّوْمَ عَلَى صَدْرِي
وَتَعْلُو الفِكْرَةُ فِي عَقْلِي
وَتَبِيتُ حَرِيقًا فِي فِكْرِي
حَتَّى أُبْصِرَ شَمْسَ نَهَارِي
تَسْقُطُ مِنْ أُفُقِ عُمْرِي
وَأَرَى ظِلِّي مُتَّكِئًا
فَوْقَ بَقَايَايَ وَقَهْرِي
فَتَنْسَى نَفْسِي وَجْهَ الرُّوحِ
وَيُطْفِئُ تَعَبِي جَمْرِي
وَتَذُوبُ شُمُوعِي فِي صَمْتٍ
وَيَطُولُ اللَّيْلُ بِصَدْرِي
فَأَكْتُبُ بَيْتًا مِنْ شِعْرِي
لَعَلَّهُ يُنْقِذُ أَمْرِي
فَيَهْجُو الحَرْفُ تَرَاجُعَ خُطْوِي
وَيُدِينُ صَمْتِي وَعُذْرِي
وَيَقُولُ: أَتَهْرُبُ مِنِّي؟
وَأَنَا أَوْضَحُ مَا يَجْرِي!
أَنَا مِرْآتُكَ المُسْتَتِرَةُ
أَنَا صَوْتُكَ حِينَ تُوَارِي
أَنَا وَجَعُكَ لَمَّا يَصْمُتُ
وَأَنَا نَبْضُكَ فِي السِّرِّ
أَنَا دَمْعَتُكَ المُحْتَبِسَةُ
خَلْفَ أَسْوَارِ التَّجَلُّدِ وَالكِبْرِ
فَإِذَا أَنْكَرْتَ جِرَاحَكَ يَوْمًا
فَضَحْتُكَ بَيْنَ سُطُورِي
وَإِذَا زَيَّفْتَ صَوْتَ الأَسَى
كَشَفْتُ الزَّيْفَ فِي شِعْرِي
فَأُمَزِّقُ أَوْرَاقَ حَيْرَتِي
فَتَعُودُ إِلَيَّ بِحِبْرِي
وَأُغْلِقُ بَابَ التِّيهِ فَتَأْتِي
مِنْ كُلِّ الدُّرُوبِ خَوَاطِرِي
وَأَظَلُّ أُفَتِّشُ عَنْ نَفْسِي
بَيْنَ حُطَامِ شُعُورِي
حَتَّى أُدْرِكَ أَنَّ قَصَائِدِي
لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا مِنْ كَسْرِي
وَأَنَّ الحَرْفَ إِذَا صَدَقَتْ
فِيهِ النَّارُ أَضَاءَ دُجَايَ وَفَجْرِي
وَأَنَّ الجُرْحَ إِذَا أَنْطَقَنِي
صَارَ مِفْتَاحًا لِسِرِّي
وَأَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ زِينَةَ لَفْظٍ
بَلْ صَوْتُ الحَقِّ فِي صَدْرِي
وَأَنَّ الحَرْفَ أَشَدُّ عَلَيَّ
مِنْ خَصْمِي… وَمِنْ قَدَرِي
فَإِذَا ضَاقَ الفَضَاءُ بِنَفْسِي
وَتَعَثَّرَ خُطْوِي وَسَيْرِي
جَعَلْتُ مِنَ الأَلَمِ المُرِّ جَنَاحًا
وَمِنَ الدَّمْعِ أَنْهَارَ نُورِي
وَمَضَيْتُ أَكْتُبُ وَجْهَ الحَقِيقَةِ
مَهْمَا تَوَارَتْ خَلْفَ السِّتْرِ
فَالشَّاعِرُ لَا يُولَدُ مِنْ رَاحَةٍ
بَلْ مِنْ زِلْزَالِ شُعُورٍ وَفِكْرِ
وَيَبْقَى الحَرْفُ سَيِّدَ رُوحِي
وَيَبْقَى الصِّدْقُ أَعْظَمَ نَصْرِي.
