صِيَاغَةُ الوَعْيِ.. وَبِنَاءُ المَصِيرِ الإِنْسَانِيِّ

nagah hegazy

صِيَاغَةُ الوَعْيِ.. وَبِنَاءُ المَصِيرِ الإِنْسَانِي

بقلم : أ.د. أحمد سلامة

بين ركام التحولات المتسارعة، نقف اليوم أمام حقيقة لا تقبل التأويل: إن أزمتنا الراهنة ليست أزمة موارد أو أدوات، بل هي أزمة عقول ونفوس في المقام الأول. إننا في أمسّ الحاجة إلى عقولٍ تَصُونُ العهودَ ولا تَخُونُها، عقولٍ تَتَّسِعُ بالفكرِ والبناءِ لا بالسيطرةِ والاقصاء. وما أحوجنا في هذه الأيام الملبّدة بالمتناقضات إلى نماذج بشرية حيّة من أصحاب الخصال الحميدة؛ أولئك الذين يحترمون ذواتهم ويصونون كرامة أنفسهم قبل أن يطالبوا الآخرين باحترامها، ليكون الصدق، والانتماء الصادق، والسماحة النبيلة هي الوقود والمصدر المحرك لمسيرتهم العلمية والاجتماعية في تفاصيل حياتنا.
إن مجتمعاتنا اليوم تفتقر إلى اليدِ البانية التي تُشيد ولا تَهدم، اليدِ الأمينة التي تَحفظُ المقدرات ولا تُبددها، والعدالةِ التي تقيم الموازين بالقسط ولا تَظلم. إننا نبحث عن نفوسٍ نقيّةٍ، تطهرت من الغِلِّ والحقد، تُعطي وتجودُ بأجمل ما لديها دون التفاتٍ لانتظارِ مقابلٍ أو ثناء. نفوسٍ تملك من الشجاعة ما يجعلها تواجه الحقائق بالحق المحض، بلا خوفٍ يثنيها ولا رياءٍ يلوث نقاءها.
إن شبابنا اليوم يقفون على مفترق طرق، وهم في أمسّ الحاجة إلى استلهام خبرات أهل العلم والحكمة، وإلى تكاتف مجتمعي حقيقي وجاد. تكاتفٌ يهدف في مقصده الأول إلى ترميم تلك الشروخ الاجتماعية العميقة، والتي خلفها غياب العدالة، وكبت الحريات، واعتماد الأساليب الملتوية الهدامة التي نخرت في جسد الوعي.
ولن يتأتى لنا النهوض إلا بتأسيس نُظُمٍ ثابتةٍ وراسخة، نابعةٍ من هويتنا وأنفسنا، تخدم تطلعاتنا في شتى المجالات، وفي الوقت ذاته، تملك المرونة الكافية لمواكبة التطور العالمي المتسارع الذي يحيط بنا من كل حدب وصوب.
إن هذا الأمل المنشود، رغم مشقته، ليس بعيد المنال؛ بل هو ممكن التحقق بإذن الله وتوفيقه. فالتاريخ يُعلمنا دوماً أن الطاقة الإنسانية الكامنة في الحق والنقاء هي أقوى بكثير من نيران الفتن والأحقاد؛ لأن الإنسان الواعي قادرٌ بإيمانه وعزيمته أن يُخمد شهوة النيران الهدامة، وأن يستثمر طاقته وفكره في بناء صروح المجد والرفعة.
Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظركإلغاء الرد

error: Content is protected !!
Exit mobile version