بقلم: د. رمضان بلال
في نيويورك، لا تُقاس الكلمات بعدد دقائقها أمام المنصة، وإنما بما تتركه خلفها من مواقف، واتصالات، وتحالفات، وأسئلة مفتوحة.
وفي الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة لـ الأمم المتحدة، جاءت المشاركة المصرية في لحظة دولية شديدة الحساسية: حرب وتوترات متشابكة في الشرق الأوسط، أزمة غزة، صراع على مستقبل القضية الفلسطينية، وتوترات تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
ولهذا فإن قراءة كلمة مصر لا ينبغي أن تتوقف عند نصها.
فالأهم: ماذا قالت مصر؟ ومن استمع؟ وماذا حدث بعد الكلمة؟
مصر تتحدث… ولكنها لا تتحدث عن غزة وحدها
ترأس الدكتور مصطفى مدبولي الوفد المصري في اجتماعات الجمعية العامة بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشاركت مصر في عدد من الاجتماعات واللقاءات رفيعة المستوى، إلى جانب طرح رؤيتها بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
وفي ملف فلسطين، كان الموقف المصري واضحًا:
لا لضم الأراضي الفلسطينية، ولا للتهجير، ولا لتغيير الواقع الديموغرافي للأراضي المحتلة.
وأكد مدبولي أن السلام في المنطقة لا يمكن أن تحقق دون تسوية سياسية تقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
لكن الرسالة المصرية لم تتوقف عند حدود الموقف السياسي.
فالقاهرة دفعت أيضًا باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، والبدء في التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
مصر لا تريد أن تتحول غزة إلى ملف إغاثي منفصل عن القضية الفلسطينية.
بل تربط غزة بالضفة والقدس وبالمسار السياسي المؤدي إلى حل الدولتين.
لكن ماذا كان رد الفعل الدولي؟
هنا تبدأ القصة الأكثر أهمية.
فالمشهد داخل الأمم المتحدة خلال هذه الدورة كشف أن القضية الفلسطينية لم تعد تتحرك في مساحة دبلوماسية ضيقة.
لقد شهدت اجتماعات نيويورك مواقف متعددة من دول عربية وأوروبية وآسيوية وأفريقية بشأن غزة والدولة الفلسطينية، بينما أصبحت الحرب في المنطقة جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل النظام الدولي نفسه.
واللافت أن مصر لم تكن تتحرك منفردة.
في 21 سبتمبر اجتمع وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية في نيويورك، وأصدروا بيانًا مشتركًا طالبوا فيه بتنفيذ الالتزامات المتعلقة بالمساعدات والتعافي المبكر في غزة، والحفاظ على وقف إطلاق النار، ورفض تهجير الفلسطينيين أو تغيير الطابع الديموغرافي للأراضي المحتلة.
وهذا يعني أن الكلمة المصرية جاءت داخل حراك دبلوماسي جماعي، وليس في فراغ سياسي.
واشنطن… الحاضر الغائب في كل معادلة
من أكثر النقاط دلالة أن المجموعة الوزارية التي ضمت مصر والدول السبع الأخرى أكدت أهمية الدور الأمريكي في تنفيذ الخطة المتعلقة بغزة، ودعت إلى استمرار المشاركة الأمريكية الفاعلة لضمان التزام الأطراف بما عليها من تعهدات.
وهنا يمكن قراءة الموقف المصري على مستويين:
المستوى الأول: التمسك بالحقوق الفلسطينية.
والمستوى الثاني: عدم تجاهل موازين القوى الدولية التي تستطيع التأثير في تنفيذ أي اتفاق على الأرض.
وهذه معادلة دقيقة:
الضغط السياسي من جهة… والحفاظ على قنوات التفاوض من جهة أخرى.
إسرائيل… والمشهد الذي كشف حجم الانقسام
أحد أكثر مشاهد الجمعية العامة دلالة كان خروج عدد كبير من الوفود من قاعة الأمم المتحدة أثناء بدء كلمة بنيامين نتنياهو.
ووفق وكالة رويترز، غادرت عشرات الوفود القاعة عند بدء خطابه في 24 سبتمبر 2026.
كما تحدثت وكالة الأناضول عن احتجاج وفود من نحو 70 دولة على الخطاب الإسرائيلي.
لكن يجب هنا التمييز بين أمرين:
هذا ليس ردًا مباشرًا على كلمة مصر وحدها.
بل هو جزء من المناخ الدولي الأوسع حول الحرب الإسرائيلية في غزة والسياسات المرتبطة بها.
ومع ذلك، فإن هذا المشهد يوضح أن الرسائل التي طرحتها مصر حول رفض التهجير والضم والتمسك بحل الدولتين جاءت في بيئة دولية أصبح فيها الملف الفلسطيني حاضرًا بقوة غير مسبوقة في النقاش الأممي.
مصر تفتح ملفًا أكبر من فلسطين
ربما تكون هذه النقطة الأقل تداولًا إعلاميًا.
فمصر لم تذهب إلى نيويورك لتتحدث عن غزة فقط.
بل طرحت أيضًا إصلاح النظام الدولي نفسه.
مدبولي دعا إلى إصلاح مجلس الأمن وتوسيع عضويته، خصوصًا زيادة التمثيل الأفريقي، مؤكدًا أن التركيبة الحالية لا تعكس الواقع السياسي الدولي. كما دعا إلى إحياء الدبلوماسية الوقائية والوساطة، وزيادة دعم عمليات حفظ السلام.
وفي اجتماع آخر، طرحت مصر الحاجة إلى نظام مالي دولي أكثر عدالة واستجابة لاحتياجات دول الجنوب.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا:
مصر تحاول أن تتحدث باسم مصالحها الإقليمية، وفي الوقت نفسه تضع نفسها داخل نقاش أوسع حول تمثيل أفريقيا ودول الجنوب في النظام الدولي.
وهل كان هناك تقدير دولي للدور المصري؟
نعم، توجد مؤشرات موثقة على ذلك، لكن ينبغي صياغتها بدقة.
فبحسب ما نقلته رئاسة مجلس الوزراء المصرية، عبّر مسؤولون وقادة التقوا مدبولي في نيويورك عن تقديرهم للدور المصري في جهود خفض التصعيد والوساطة الإقليمية. ونقلت «الأهرام أونلاين» عن الحكومة المصرية أن لقاءات مدبولي شهدت إشادات بدور مصر الإقليمي والدولي وجهودها لمعالجة جذور الأزمات بالحلول السياسية والدبلوماسية.
كما نقلت وسائل إعلام مصرية عن مدبولي قوله إن هناك تقديرًا دوليًا للدور المصري في الوساطة وجهود السلام.
والأهم أن هذا التقدير لم يظهر في التصريحات فقط، بل انعكس في كثافة اللقاءات التي عقدتها القيادة المصرية على هامش الجمعية العامة مع مسؤولين وقادة من دول مختلفة.
وما وراء الكلمة؟
هنا نصل إلى الجزء الذي يستحق التأمل.
إذا جمعنا المواقف المصرية في نيويورك، فإن هناك أربعة خطوط تتحرك بالتوازي:
أولًا: منع تهجير الفلسطينيين ومنع ضم الأراضي الفلسطينية.
ثانيًا: الحفاظ على وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وبدء إعادة إعمار غزة.
ثالثًا: إبقاء حل الدولتين حاضرًا باعتباره الإطار السياسي للحل.
رابعًا: توسيع الدور المصري في الوساطة الإقليمية وفي النقاش حول إصلاح النظام الدولي.
وهذه ليست ملفات منفصلة.
فغزة ترتبط بأمن مصر.
والبحر الأحمر يرتبط بالتجارة العالمية.
والخليج يرتبط بأمن الطاقة.
والسودان يرتبط بالأمن المصري والأفريقي.
والقضية الفلسطينية ترتبط بمستقبل النظام الإقليمي كله.
ولهذا فإن تحرك مصر في نيويورك يمكن قراءته باعتباره تحركًا متعدد الدوائر، وليس مجرد مشاركة في الجمعية العامة.
المفاجأة الأهم: مصر لا تتحرك في اتجاه واحد
في الوقت الذي كانت فيه المنصة الأممية تناقش فلسطين وغزة، كانت الدبلوماسية المصرية تتحرك في ملفات أخرى.
وفي 25 سبتمبر، بحث وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظيريه الإيراني والعُماني ضرورة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ووقف التصعيد في مضيقي هرمز وباب المندب.
وهنا يظهر الرابط الاستراتيجي:
مصر تريد خفض التصعيد في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
فأي انفجار إقليمي واسع قد ينعكس على:
قناة السويس.
حركة التجارة الدولية.
أمن البحر الأحمر.
أسعار الطاقة.
الاقتصاد المصري.
مستقبل غزة.
أمن الخليج.
وأمن المنطقة بأكملها.
إذن… ماذا تعني كلمة مصر للعالم؟
قد يكون من الخطأ اختزالها في عبارة «كلمة قوية».
الأدق أنها كانت رسالة سياسية متعددة الاتجاهات:
إلى الفلسطينيين: مصر تتمسك بحقوقكم ورفض التهجير.
وإلى إسرائيل: السلام الإقليمي لا يمكن أن يقوم على تغيير الواقع الفلسطيني بالقوة.
وإلى الولايات المتحدة: أي خطة تحتاج إلى تنفيذ حقيقي على الأرض، ومصر مستعدة للعمل السياسي ولكنها تتمسك بثوابت القضية.
وإلى الدول العربية والإسلامية: القاهرة تتحرك ضمن شبكة تنسيق واسعة وليست منفردة.
وإلى أفريقيا ودول الجنوب: إصلاح النظام الدولي والتمثيل العادل جزء من المعركة السياسية أيضًا.
وإلى المجتمع الدولي: الوساطة والدبلوماسية الوقائية أقل كلفة من انتظار انفجار الحروب.
والسؤال الذي سيبقى بعد أن تنطفئ أضواء نيويورك
الأمم المتحدة تسمع الكلمات.
لكن التاريخ يسجل ما يحدث بعدها.
وهنا ستكون الاختبارات الحقيقية:
هل يستمر وقف إطلاق النار؟
هل تدخل المساعدات بصورة مستقرة؟
هل يبدأ التعافي وإعادة الإعمار؟
هل تتقدم الخطة السياسية الخاصة بغزة؟
هل يبقى الطريق مفتوحًا أمام قيام دولة فلسطينية؟
وهل تستطيع الدبلوماسية المصرية تحويل حضورها السياسي إلى تأثير فعلي في الملفات التي تمس أمن المنطقة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الحضور المصري بعد انتهاء الجمعية العامة.
مصر بين الكلمة والفعل
من نيويورك، لم تكن الرسالة المصرية مجرد حديث عن الماضي.
كانت محاولة للتأثير في شكل المستقبل.
مستقبل غزة.
مستقبل القضية الفلسطينية.
مستقبل البحر الأحمر.
ومستقبل الدور العربي والأفريقي داخل النظام الدولي.
وقد يكون أهم ما في المشهد كله أن القاهرة تتحرك في مساحة شديدة التعقيد:
لا تريد حربًا إقليمية شاملة، ولا تريد تهجيرًا فلسطينيًا، ولا تريد انهيارًا جديدًا في المنطقة، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على دور الوسيط القادر على الحديث مع أطراف متعارضة.
وهذا يفسر لماذا أصبحت نيويورك بالنسبة لمصر هذا العام أكثر من منصة لإلقاء خطاب.
لقد تحولت إلى غرفة اختبار للدبلوماسية المصرية.
والاختبار الحقيقي لم يبدأ عندما اعتلى المسؤول المصري منصة الأمم المتحدة…
بل بدأ بعد أن نزل منها.
آخر الكلام
الكلمات تُسمع في القاعات… لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى مواقف، والمواقف عندما تتحول إلى نتائج.
ومصر قالت كلمتها.
والآن…
العالم ينتظر ما ستفعله القاهرة بعد الكلمة.
