من عبور القناة إلى عبور المستقبل.. ماذا علّمنا أكتوبر؟

By nagah hegazy
د. لمياء عفرة
بقلم: د. لمياء عفرة_مصر
في السادس من أكتوبر، لم تعبر القوات المسلحة المصرية قناة السويس فقط، بل عبرت مصر كلها من لحظة ظن البعض أنها ستظل عنوانًا للهزيمة، إلى لحظة أعادت فيها كتابة التاريخ بإرادة وطنية أثبتت أن الشعوب لا تُهزم ما دامت تمتلك القدرة على استعادة قرارها والثقة في قدراتها.
لم يكن نصر أكتوبر مجرد انتصار عسكري استثنائي، وإنما كان انتصارًا للإرادة المصرية؛ إرادة دولة أدركت أن استعادة الأرض تحتاج إلى قرار، وأن تحويل القرار إلى نصر يحتاج إلى تخطيط وتضحيات وإيمان بأن ما يبدو مستحيلًا اليوم يمكن أن يصبح واقعًا غدًا.
لقد كان قرار الحرب في حد ذاته تعبيرًا عن إرادة سياسية وعسكرية وشعبية متكاملة. وعندما تحركت القوات المسلحة المصرية، كان خلفها شعب يعرف قيمة الأرض، ويدرك أن الوطن لا يُستعاد بالأمنيات، وإنما بالإرادة والتخطيط والتضحية.
ولذلك ظل السادس من أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية باعتباره درسًا في إدارة الأزمات، وحماية الأمن القومي، والتمسك بالقرار الوطني.
واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على العبور، تتغير طبيعة المعارك، وتتبدل أدوات الصراع. فلم تعد حماية الدولة مرتبطة بالقوة العسكرية وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بقوة الاقتصاد، واستقرار المؤسسات، ووعي المواطن، وقدرة الدولة على مواجهة الشائعات وحروب المعلومات ومحاولات بث الإحباط وزعزعة الثقة.
وهنا تتجدد قيمة أكتوبر
فإذا كان جيل أكتوبر قد واجه آلة الحرب بالسلاح والإرادة، فإن أجيال اليوم تواجه تحديات مختلفة تحتاج إلى العلم والوعي والعمل والانتماء. فالمعركة الحقيقية في أي وطن لا تنتهي بانتهاء الحرب، وإنما تستمر في بناء الدولة والحفاظ على مكتسباتها وتعزيز قدرتها على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن الاحتفال بذكرى أكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد مراسم سنوية أو كلمات تتكرر، وإنما يجب أن يتحول إلى مناسبة لإعادة قراءة الدرس الأهم في تاريخ الانتصار: أن قوة مصر الحقيقية تكمن في قدرتها على توحيد إرادتها عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن ومستقبله.
لقد أثبت أكتوبر أن الهزيمة ليست قدرًا، وأن الأزمات مهما بلغت قسوتها يمكن تجاوزها عندما تتوافر الرؤية والإرادة والتخطيط.
وإذا كان أبطال أكتوبر قد عبروا القناة لتحرير الأرض، فإن مسؤولية الأجيال الجديدة أن تعبر بمصر نحو المستقبل؛ بالعلم، والعمل، والإنتاج، والوعي، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والتمسك بالثوابت الوطنية، وعدم السماح بأن تتحول الاختلافات السياسية أو الأزمات الاقتصادية إلى مدخل لضرب تماسك المجتمع.
إن الوطنية الحقيقية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية تُمارس كل يوم.
هي أن ندرك أن الدولة ليست مجرد مؤسسات، وإنما وطن وذاكرة وهوية ومستقبل. وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الاختلاف على الوطن، وأن النقد المسؤول يمكن أن يكون أداة للإصلاح، بينما يظل الحفاظ على أمن الوطن واستقراره مسؤولية مشتركة لا خلاف عليها.
وفي ذكرى السادس من أكتوبر، لا نحتفل فقط بمن حملوا السلاح وعبروا القناة، وإنما نستحضر قيمة التضحية التي قدمها جيل كامل من أجل أن تبقى مصر قادرة على الوقوف من جديد.
تحية إلى أبطال القوات المسلحة المصرية، وإلى أرواح شهدائنا الذين دفعوا ثمنًا غاليًا من أجل الأرض والكرامة.
وتحية إلى كل مصري أدرك أن الوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالإرادة والعمل.
ويبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على حقيقة لا تسقط بالتقادم:
أن مصر حين تمتلك قرارها، وتثق في قدراتها، وتوحد إرادتها، تستطيع أن تصنع من أصعب اللحظات بدايةً جديدة للتاريخ.
كل عام ومصر وطنًا عزيزًا آمنًا، وكل عام وجيش مصر درعًا للوطن وسندًا لشعبه.
تحية لمصر في ذكرى النصر.. وتحية لجيل أكتوبر الذي علّمنا أن المستحيل ليس قدرًا على وطن يؤمن بنفسه.
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!