من النيل إلى الهان.. لماذا ذهب السيسي إلى سيول الآن؟

By nagah hegazy

بقلم: د/ رمضان بلال

 سول — غرد بالمصري

هناك زيارات رئاسية تُقاس بالبروتوكول والصور والبيانات الرسمية، وهناك زيارات تُقرأ من خلف المشهد؛ من توقيتها، ومن الأطراف التي تجلس إلى الطاولة، ومن الملفات التي تُفتح، ومن الرسائل التي تصل إلى عواصم العالم.

وزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية تنتمي إلى النوع الثاني.

فالقاهرة وسيول لا تلتقيان اليوم من نقطة الصفر؛ بل فوق سنوات من التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي، وفي لحظة دولية تبحث فيها الدول عن شراكات أكثر تنوعًا، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا، وأسواق أكثر قدرة على الربط بين القارات.

ومن هنا تأتي أهمية المشهد:

رئيس مصر في سيول، وكوريا الجنوبية تنظر إلى القاهرة ليس باعتبارها سوقًا فقط، وإنما باعتبارها نقطة اتصال بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وهذه ليست قراءة مصرية وحدها؛ فقد أبرزت التغطية الكورية أن الزيارة تستهدف دفع العلاقات المصرية–الكورية نحو شراكة استراتيجية أوسع، مع التركيز على التجارة والاستثمار والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، إلى جانب الملفات الإقليمية والدولية.

الزيارة.. ما الذي يحدث في سيول؟

الرئيس السيسي بدأ زيارة دولة إلى كوريا الجنوبية في 6 أكتوبر، ضمن جولة آسيوية تشمل كذلك ماليزيا وإندونيسيا، وتُعد هذه الزيارة الأولى له إلى كوريا الجنوبية منذ عام 2016.

وفي 8 أكتوبر، يجتمع الرئيس السيسي مع الرئيس الكوري لي جاي ميونغ في قمة تتناول توسيع التعاون الاقتصادي، والاستثمار، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، فضلًا عن القضايا الإقليمية والدولية والتواصل بين الشعبين.

لكن ما وراء الخبر يبدأ من مكان آخر:

لم يأتِ الرئيس إلى سيول ليبحث فقط عن زيادة أرقام التجارة، وإنما لفتح الباب أمام انتقال العلاقة من نموذج “التبادل التجاري” إلى نموذج “الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة”.

وهنا تظهر واحدة من أهم محطات الزيارة.

23 شركة كورية.. والرسالة ليست اقتصادية فقط

على هامش الزيارة، شارك الرئيس في مائدة مستديرة مع رؤساء وممثلي 23 شركة كورية كبرى.

وهنا يصبح الرقم نفسه رسالة.

فمصر تضع أمام المستثمر الكوري خريطة مختلفة:

صناعة.. تكنولوجيا.. ذكاء اصطناعي.. تحول رقمي.. بنية أساسية.. طاقة.. نقل.. دواء.. إلكترونيات.. ومجال واسع للتصنيع والتصدير.

والأكثر أهمية أن مصر جددت دعوتها لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بحيث يمكن للشركات الكورية أن تنتج في مصر، ثم تنطلق من موقعها إلى أسواق أفريقيا والعالم العربي وأوروبا مستفيدة من شبكة الاتفاقات التجارية المصرية.

وهنا تتضح الصورة:

مصر لا تعرض على كوريا أن تبيع في مصر فقط؛ بل تعرض عليها أن تصنع في مصر لتصل من مصر إلى العالم.

وهذه نقلة في التفكير الاقتصادي.

وما وراء ذلك؟

وراء الزيارة رسالة مصرية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية.

مصر تقول لشركائها في آسيا:

القاهرة تريد أن تكون جزءًا أساسيًا من خريطة الاقتصاد الآسيوي الجديد.

وتقول للمستثمر:

الموقع الجغرافي وحده ليس القصة؛ القصة هي الموقع + البنية الأساسية + السوق + الاتفاقات التجارية + القدرة على النفاذ إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وتقول للعالم:

مصر لا تنتظر حركة الاقتصاد العالمي؛ بل تسعى إلى أن تكون إحدى نقاط الحركة داخله.

وهذا يتقاطع مع ما أشار إليه الجانب الكوري من أهمية مصر بوصفها مركزًا لوجستيًا يربط أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

الاقتصاد.. لكن السياسة حاضرة

الخطأ أن نقرأ الزيارة باعتبارها اقتصادية فقط.

فالقمة المصرية–الكورية تأتي في منطقة شديدة الاضطراب، وفي نظام دولي تتشابك فيه التجارة مع الأمن، وسلاسل الإمداد مع الجغرافيا السياسية، والاستثمار مع الاستقرار الإقليمي.

ولهذا تتضمن أجندة القمة أيضًا التطورات الإقليمية والدولية، إلى جانب الملفات الاقتصادية.

ومصر هنا تتحرك من موقع دولة ترتبط مباشرة بملفات الشرق الأوسط وأفريقيا والممرات البحرية والتجارة الدولية.

ماذا قالت الصحافة الكورية؟

التغطية الكورية ركزت بصورة واضحة على أن زيارة السيسي يمكن أن تمثل فرصة لتطوير العلاقات إلى شراكة استراتيجية.

وكالة يونهاب أبرزت أن القمة تستهدف توسيع التعاون الاقتصادي، بينما أشارت تغطيات آسيوية إلى ملفات سلاسل الإمداد والاستثمار والبنية التحتية، وإلى الدور المصري كبوابة نحو أفريقيا والشرق الأوسط.

كما تناولت الصحافة الكورية والأعمال ملف جذب الشركات الكورية إلى مصر، مع اهتمام خاص بالصناعة والتكنولوجيا والاستثمار.

أما أهرام أونلاين، في قراءتها للتغطية الآسيوية، فقد رصدت تركيز وسائل الإعلام الكورية على التعاون الاقتصادي وسلاسل الإمداد، وربطت بين الزيارة وبين مسار أوسع لتعميق العلاقات المصرية–الكورية.

الرسالة المصرية إلى العالم

إذا أردنا اختصار المشهد كله في رسالة واحدة، فهي:

مصر تريد شراكات لا تبعية، واستثمارات لا مجرد واردات، وتصنيعًا لا مجرد استهلاك، ونقلًا للتكنولوجيا لا مجرد شراء للمنتج.

وهذا يفسر التركيز المصري على توطين الصناعة، وتدريب العمالة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتصنيع المشترك.

كما أن الأرقام تعطي بعدًا إضافيًا للمشهد؛ فقد أظهرت بيانات النصف الأول من 2026 تراجع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 640.3 مليون دولار، بينما قفز الاستثمار الكوري في مصر خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 إلى 736.3 مليون دولار مقابل 77.2 مليون دولار في الفترة المقابلة، وفق بيانات نقلتها أهرام أونلاين عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف:

الهدف ليس أن تكون العلاقة أكبر فقط، وإنما أن تكون أعمق وأكثر إنتاجًا.

من النيل إلى الهان

هناك مفارقة تاريخية تستحق التأمل.

كوريا الجنوبية بنت تجربتها التنموية الحديثة عبر الصناعة والتكنولوجيا والتعليم والتصدير.

ومصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وسوقًا كبيرة، وقاعدة صناعية، وقناة السويس، وامتدادًا عربيًا وأفريقيًا وأوروبيًا.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

ماذا ستبيع كوريا لمصر؟

بل:

ماذا تستطيع مصر وكوريا أن تنتجا معًا؟

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات زيارة سيول.

فإذا تحولت الاتفاقات إلى مصانع، وتحولت المباحثات إلى استثمارات، وتحول الاستثمار إلى تكنولوجيا ومعرفة وفرص عمل وتصدير، فإن الزيارة ستكون قد تجاوزت حدود السياسة والبروتوكول إلى بناء مصالح اقتصادية طويلة المدى.

وما الرسالة الأبعد؟

ربما تكون الرسالة الأهم أن مصر، وسط عالم تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية، لا تحصر خياراتها في اتجاه واحد.

القاهرة تتحرك شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، وتبحث عن تعدد الشراكات.

كوريا اليوم.

وماليزيا وإندونيسيا في المحطة التالية من الجولة.

وهذا يعني أن الدبلوماسية الاقتصادية المصرية تتحرك في مسارات متعددة، بحثًا عن الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق والتعاون الدولي.

إنها محاولة لوضع مصر داخل شبكة عالمية واسعة، لا على هامشها.

وفي النهاية، فإن زيارة سيول ليست مجرد صورة لرئيس مصري أمام القصر الرئاسي الكوري.

إنها اختبار لما إذا كان يمكن تحويل الموقع المصري إلى قوة اقتصادية أكبر، وتحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات، وتحويل الاستثمارات إلى إنتاج، وتحويل الشراكات الدولية إلى قيمة مضافة للاقتصاد المصري.

وهنا يبقى السؤال الذي يجب أن تتابعه الأيام القادمة:

هل تنجح القاهرة وسيول في تحويل زخم الزيارة إلى مصانع واستثمارات وتكنولوجيا وأسواق جديدة؟

هذا هو ما وراء الخبر.

 

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!