الدفاتر المغلقة..

نجاح حجازي
nagah hegazy

الدفاتر المغلقة.. خلف كل نظرة شاردة حكايةٌ لم ترو بعد

الدفاتر المغلقة..

قلم: مريم جلال

في زمنٍ هيمنت فيه ثقافة “الإفصاح الكامل”، تراجعت قيمة “المسكوت عنه”؛ فأصبحنا نعيش تحت ضغط ترجمة كل شعورٍ إلى كلمات، حتى بات الصمت غموضاً، والعزلة هروباً، انشغلنا بتفسير تصرفات بعضنا بدافع “المحبة”، متناسين أن لكل منا “دفتره الخاص” الذي لا يحق لأحدٍ قراءته، ومع تداخل الحدود، تحول “التطفل” إلى فضولٍ مبرر، وأصبح “التفتيش في نوايا الآخرين” نمطاً اجتماعياً يمارسه الكثيرون.
الإفصاح الإجباري واقتحام الروح
فرض المجتمع “إفصاحاً إجبارياً”؛ فإذا لم تعبر عن حزنك فأنت تخفيه، وإذا لم تروج لنجاحك فأنت فاشل، هذا الضغط جعلنا نخجل من “أشيائنا غير القابلة للوصف”، وتجاوز الأمر مراقبة السلوك إلى “اقتحام الروح”؛ بأسئلةٍ تضغط لتعرف ما تخفيه النظرات العابرة، ظناً أن المعرفة حقٌ مكتسب، بينما هي في الواقع محاولة للسيطرة.
لقد نسي المجتمع أن هناك حكايات تظل عالقة، لا لأننا عاجزون عن الكلام، بل لأنها أثمن من أن تُستهلك في حديثٍ عابر.
فلسفة “الدفاتر المغلقة”
تتبلور اليوم دعوةٌ إنسانية ترفع شعاراً مغايراً: “خلف كل نظرة شاردة.. حكايةٌ لم تجد كلماتها ولن تجدها”، يرى خبراء النفس أن إجبار الآخر على البوح انتهاك لسلامته؛ فالإنسان يحتاج إلى “منطقة معتمة” يرمم فيها ذاته بعيداً عن أحكام المتطفلين، فالتطفل لا يولد إلا أقنعةً اجتماعية، ويدفعنا للهروب بدلاً من التعبير بحرية.
يرتكز مفهوم “الدفاتر المغلقة” على تحولٍ واعٍ:
حماية الطاقة: بإدراك أن المشاعر العميقة لا تكتمل إلا في الخصوصية، وأن الكلمات أحياناً تُسطح جمال التجربة، الاحترام كأداة تواصل: حين تُصبح “المسافة الآمنة” ميثاقاً للرقي؛ فنحترم صمت الآخرين كما نحترم حكاياتهم، دون محاولة “تفكيك” خصوصياتهم.
إن جوهر الرقي الاجتماعي هو الإيمان بأن حكاية الآخر ملكٌ خالص له؛ فعدم معرفتنا بتفاصيل حياة الآخر لا ينتقص من علاقتنا، بل يمنحها عمقاً والخصوصية ليست عزلة، بل هي احترامٌ لكيان الآخر.
إننا لا نحتاج لفتح دفاتر بعضنا لنكون قريبين، يكفينا أن ندرك أن وراء كل نظرة شاردة حكايةً لم ترو بعد، ولن تروى.
Share This Article
اترك تعليقا

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!