سِراجُ الرَّحمة
قصيدة في المديح النبوي
شعر عاشق خير البرية

د/رمضان بلال
الحمدُ للهِ ربِّ العرشِ مُبتدِئًا
باسمِ الكريمِ عظيمِ الفضلِ والنِّعَمِ
لهُ الثناءُ، ومنهُ الفيضُ مُنسكبٌ
على البريَّةِ في يُسرٍ وفي كَرَمِ
أبدعْتَ كونًا بهِ الأرواحُ باسمةٌ
وزيَّنتْهُ نجومُ الليلِ والقَمَرُ السَّمِي
ثمَّ الصلاةُ على المختارِ سيِّدِنا
خيرِ الأنامِ إمامِ العربِ والعَجَمِ
محمَّدٍ، من بهِ الأرواحُ قد سَمَقَتْ
واستيقظَ القلبُ بعدَ اليأسِ والسَّأَمِ
جاءَ الرسالةَ لا باغيًا ولا بطِرًا
لكنْ ليُخرجَنا من غمرةِ الظُّلَمِ
فأشرقتْ بكَ آفاقُ الهدى طَرَبًا
وانجابَ ليلُ الأسى عن صفحةِ الأُمَمِ
ما كنتَ طالبَ مُلكٍ تستطيلُ بهِ
ولا سعيتَ إلى جاهٍ ولا خَدَمِ
لكنَّ همَّكَ أن تحيا البصائرُ في
نورِ الحقيقةِ، لا في زينةِ الصَّنَمِ
علَّمتَ أنَّ غنى الإنسانِ سيرتُهُ
وأنَّ أكرمَهُ بالتقوى وبالشِّيَمِ
وغرستَ في القلبِ معنى العدلِ مُزدهرًا
حتى تفتَّحَ كالأزهارِ في القِيَمِ
كم مسحتْ كفُّكَ البيضاءُ من دَمْعَةٍ
عن يتيمٍ قضى أيامَهُ بألَمِ
وكم جبرتَ فؤادًا هدَّهُ وجعٌ
حتى غدا باسقَ الآمالِ والهِمَمِ
ما فرَّقتْ دعوتُكَ الغرَّاءُ بينَ فتىً
في اللونِ أو نسبٍ أو موطنٍ وقَدَمِ
فالناسُ عندَ هدى الرحمنِ إخوةُ من
أحيا الضمائرَ بالإنصافِ والذِّمَمِ
يا خيرَ من أُرسِلَتْ للخلقِ رحمتُهُ
نبقى على العهدِ ما دامتْ بنا النَّسَمُ
نرجو شفاعتَكَ العظمى إذا ازدحمَتْ
أهوالُ حشرٍ، وضاقتْ ساحةُ الأُمَمِ
فامنحْ قلوبَ محبِّيكَ الثباتَ على
دربِ الهدى، وصفاءِ الروحِ والهِمَمِ
وصلِّ ربِّ على المختارِ ما طلعتْ
شمسُ الصباحِ، وما هبَّتْ صبا الحَرَمِ
يا سيدي، بكَ أضحى الحرفُ مُبتهجًا
وغاضَ بحرُ الأسى في موطنِ الألَمِ
أحييتَ بالفكرِ أرواحًا مُعذَّبةً
كانت تُقيَّدُ بالأوهامِ والصَّنَمِ
ونبَّهتَ العقلَ أنَّ العلمَ مكرمةٌ
لا يستقيمُ بغيرِ الصدقِ والشِّيَمِ
وغرستَ في القلبِ إيمانًا يُزكِّيهِ
ذِكرُ الإلهِ، وصفوُ العيشِ بالقِيَمِ
كم عانقَ العفوُ قلبًا كانَ منكسرًا
فاستبدلَ الحقدَ بالإحسانِ والكرمِ
وكم أضاءَ سبيلَ التائهينَ هُدًى
حتى مضوا في دروبِ الخيرِ كالعَلَمِ
ما خابَ من جعلَ التقوى رفيقتَهُ
ولا هوى من سعى بالعدلِ والحِكَمِ
إنَّ المروءَةَ ليستْ في المظاهرِ، بلْ
في طُهرِ نفسٍ، وفي إخلاصِ مُلتزمِ
فامضِ على نهجِكَ المأثورِ مُجتهدًا
وازرعْ جميلَ الرؤى في كلِّ مُغتنَمِ
واجعلْ لسانَكَ ميزانًا تُقوِّمُهُ
بالصدقِ، فالكذبُ أصلُ الإثمِ والنِّقَمِ
واخفضْ جناحَكَ للمحتاجِ مُبتسمًا
فالبِشرُ يفتحُ أبوابًا من النِّعَمِ
وأكرمِ الجارَ، والأرحامَ، واحفظْ لهمْ
حقَّ المودَّةِ في يسرٍ وفي عَدَمِ
واعملْ لوجهِ إلهِ الكونِ مُحتسبًا
فخيرُ زادِ الفتى الإخلاصُ في العَمَلِ
يا ربِّ صلِّ على المختارِ ما صدحتْ
ورقاءُ روضٍ، وما جادَتْ بهِ الدِّيَمُ
واجعلْ لنا من لواءِ الحمدِ منزلةً
يومَ الجزاءِ برحمتِكَ الواسعِ الكَرَمِ
يا خيرَ هادٍ إلى التقوى وسالكِها
ما خابَ من سارَ في أنوارِكَ القِدَمِ
أنتَ الأمينُ الذي زانَ الإلهُ بهِ
وجهَ البريَّةِ بالإحسانِ والشِّيَمِ
ما لانَ عودُكَ في حقٍّ تُدافعُهُ
ولا انثنيتَ لذي بطشٍ ولا نِقَمِ
لكنَّ قلبَكَ بحرُ الحلمِ متَّسعٌ
للعافينَ، وللراجينَ في الكَرَمِ
إن جئتَ مجلسَ قومٍ كنتَ مبتسمًا
تبثُّ فيهمْ صفاءَ الودِّ والوِئَمِ
وإن رأيتَ كسيرَ القلبِ واسيتَهُ
حتى يُفيءَ إلى الآمالِ والهِمَمِ
أوصيتَ بالجارِ، والأرحامِ، قاطبةً
وباليتامى، وبالمسكينِ، والخَدَمِ
ورغَّبتَ الناسَ في بِرٍّ وفي صِلَةٍ
تُزكِّي النفوسَ، وتدعو صالحَ الأُمَمِ
وجئتَ بالعلمِ نورًا لا انطفاءَ لهُ
يهدي العقولَ إلى التحقيقِ والحِكَمِ
فصارَ كلُّ فتىً يسمو بهمَّتِهِ
يسعى إلى المجدِ لا للهوِ والصَّنَمِ
يا ربِّ فاجعلْ هُدى المختارِ زادَ فتىً
يمضي إليكَ بقلبٍ طاهرِ القِيَمِ
واجعلْ لنا من لواءِ الحمدِ منزلةً
واحشرْ قلوبًا أحبتْ سيدَ العَرَبِ والعَجَمِ
وصلِّ ربِّ على المختارِ ما ابتسمتْ
أزهارُ روضٍ، وما هبَّتْ صبا الحَرَمِ
وسلِّمِ اللهمَّ تسليمًا يليقُ بهِ
ما أشرقَ الفجرُ في الآفاقِ والعَلَمِ
وأنزلَ اللهُ قرآنًا نُهتدي بهِ
فكانَ للفكرِ إشراقًا من الحِكَمِ
تُتلى آياتُهُ، فتستفيقُ بها
أرواحُ قومٍ أطالوا غفلةَ السَّأَمِ
فيهِ البصائرُ للألبابِ ساطعةٌ
وفيهِ ميزانُ أخلاقٍ بلا وَهَمِ
يدعو إلى العدلِ، والإحسانِ مُجتمعًا
وإكرامِ ذي الفقرِ، والجارِ، وذي الرَّحِمِ
ما خابَ عبدٌ أقامَ الذكرَ في ثقةٍ
واستمسكَ الصبرَ في بؤسٍ وفي نِعَمِ
ولا أضاعَ طريقَ الحقِّ من جعلتْ
تقوى الإلهِ لهُ زادًا إلى القِمَمِ
بالعلمِ تسمو عقولُ الناسِ إن عَمِلوا
وليسَ يرفعُهمْ جاهٌ ولا حُطَمِ
والجهلُ نارٌ إذا ما استحكمتْ أكلتْ
ثمرَ الحضارةِ في سهلٍ وفي عَلَمِ
فازرعْ بعقلِ الفتى فكرًا يُنمِّيهِ
حتى يُضيءَ دروبَ الأرضِ كالعَلَمِ
وارفقْ بخلقِ الإلهِ اليومَ مُحتسبًا
فالرِّفقُ أكرمُ أخلاقٍ لذي الكَرَمِ
يا ربَّ، واجعلْ لنا في كلِّ نازلةٍ
لطفًا يُبدِّدُ ما نلقاهُ من أَلَمِ
واحفظْ بلادَ الهدى أمنًا ووحدةً
وألبسِ الناسَ ثوبَ السِّلمِ والوِئَمِ
وصلِّ ربِّ على المختارِ ما صدحتْ
أطيارُ فجرٍ على الأغصانِ والدِّيَمِ
وسلِّمِ اللهُمَّ تسليمًا يدومُ كما
دامَ الضياءُ على الآفاقِ والعَلَمِ
د/ رمضان بلال
