أنا الغريق… ولكنِّي البحر

"أنا الغريقُ... ولكنِّي على ثقةٍ .. أنَّ البحارَ تُطيعُ العزمَ لا الزَّبَدِ"

By nagah hegazy

أنا الغريق… ولكنِّي البحر

بقلم د/رمضان بلال

أنا الغريقُ، فلا أخشى من البللِ … وهل يُهابُ لظى الأمواجِ ذو الجَلَدِ؟

قد علَّمتني الليالي كيف أقتحمُ … وجهَ المنونِ، وأمضي غيرَ مُرتعدِ

إنَّ الشدائدَ أمِّي، وهي مرضعتي … ومن لهيبِ الأسى صغتُ السَّنا بيدي

ما لانَ عودي إذا الأيامُ عاندتِ … ولا انحنى الرأسُ إلا لخالقِ الأبدِ

أمشي إلى الخطبِ، لا أخشى غوائلَهُ … كأنَّ قلبي سنانُ البيضِ في الكبدِ

وأركبُ الهولَ حتى يستكينَ لهُ … ويعترفُ الرعبُ أني سيِّدُ الجلدِ

ما ضرَّني أنَّ دهري رامَ مَصرعتي … فالدهرُ أقصرُ من عزمي ومن جلدي

نفسي أجلُّ من التيجانِ أجمعِها … والمجدُ يعرفُني في السهلِ والصَّعَدِ

إنَّ المكارمَ لا تُهدى لطالبِها … لكنَّها تُنتزى بالسيفِ والعضُدِ

والحقُّ لا يعتلي إلا بصاحبِهِ … ولا يضيءُ سوى الأحرارِ في البلدِ

إني إذا ادلهمَّتْ في الورى فتنٌ … كنتُ السراجَ الذي لا يعرفُ الخمدِ

أستنطقُ الصخرَ حتى يورقَ الشجرُ … وأبعثُ الفجرَ من أعماقِ مُضطرَدِ

كم عاندتني صروفُ الدهرِ ضاحكةً … فزدتُها كبرياءَ الليثِ والأسدِ

لا أستجيرُ بغيرِ اللهِ في مِحَنٍ … ولا أبيعُ يقيني بالهوى النكدِ

إنِّي خلقتُ لكي أسمو إلى قِممٍ … لا يبلغُ المجدَ إلا صاحبُ الجَلَدِ

أنا ابنُ مصرَ، وفي التاريخِ ملحمةٌ … تجري على النيلِ مثلَ الضوءِ في الأبدِ

في كلِّ شبرٍ بها للأرضِ معجزةٌ … وفي ثراها دمُ الأبطالِ لم يَبِدِ

جيشٌ إذا استصرختْهُ الأرضُ منتفضًا … لبَّى النداءَ كسيلِ العزمِ والمددِ

وشعبُها كلما جارَ الزمانُ بهِ … أقامَ من صبرِهِ سورًا من الصمدِ

فدعْ ضعافَ الورى يلهونَ في زَبَدٍ … فالزبدُ يذهبُ، والتاريخُ للشُّهُدِ

إنِّي تركتُ على الأيامِ قافيتي … حتى غدتْ رايةً تُتلى إلى الأبدِ

أنا الغريقُ… ولكنِّي على ثقةٍ … أنَّ البحارَ تُطيعُ العزمَ لا الزَّبَدِ

فإن سقطتُ، أقمتُ المجدَ من كبدي … وإن نهضتُ، نهضتُ الكونَ من جلدي.

Share This Article
Leave a review

شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك

error: Content is protected !!