أنا الغريق… ولكنِّي البحر
أنا الغريقُ، فلا أخشى من البللِ … وهل يُهابُ لظى الأمواجِ ذو الجَلَدِ؟
قد علَّمتني الليالي كيف أقتحمُ … وجهَ المنونِ، وأمضي غيرَ مُرتعدِ
إنَّ الشدائدَ أمِّي، وهي مرضعتي … ومن لهيبِ الأسى صغتُ السَّنا بيدي
ما لانَ عودي إذا الأيامُ عاندتِ … ولا انحنى الرأسُ إلا لخالقِ الأبدِ
أمشي إلى الخطبِ، لا أخشى غوائلَهُ … كأنَّ قلبي سنانُ البيضِ في الكبدِ
وأركبُ الهولَ حتى يستكينَ لهُ … ويعترفُ الرعبُ أني سيِّدُ الجلدِ
ما ضرَّني أنَّ دهري رامَ مَصرعتي … فالدهرُ أقصرُ من عزمي ومن جلدي
نفسي أجلُّ من التيجانِ أجمعِها … والمجدُ يعرفُني في السهلِ والصَّعَدِ
إنَّ المكارمَ لا تُهدى لطالبِها … لكنَّها تُنتزى بالسيفِ والعضُدِ
والحقُّ لا يعتلي إلا بصاحبِهِ … ولا يضيءُ سوى الأحرارِ في البلدِ
إني إذا ادلهمَّتْ في الورى فتنٌ … كنتُ السراجَ الذي لا يعرفُ الخمدِ
أستنطقُ الصخرَ حتى يورقَ الشجرُ … وأبعثُ الفجرَ من أعماقِ مُضطرَدِ
كم عاندتني صروفُ الدهرِ ضاحكةً … فزدتُها كبرياءَ الليثِ والأسدِ
لا أستجيرُ بغيرِ اللهِ في مِحَنٍ … ولا أبيعُ يقيني بالهوى النكدِ
إنِّي خلقتُ لكي أسمو إلى قِممٍ … لا يبلغُ المجدَ إلا صاحبُ الجَلَدِ
أنا ابنُ مصرَ، وفي التاريخِ ملحمةٌ … تجري على النيلِ مثلَ الضوءِ في الأبدِ
في كلِّ شبرٍ بها للأرضِ معجزةٌ … وفي ثراها دمُ الأبطالِ لم يَبِدِ
جيشٌ إذا استصرختْهُ الأرضُ منتفضًا … لبَّى النداءَ كسيلِ العزمِ والمددِ
وشعبُها كلما جارَ الزمانُ بهِ … أقامَ من صبرِهِ سورًا من الصمدِ
فدعْ ضعافَ الورى يلهونَ في زَبَدٍ … فالزبدُ يذهبُ، والتاريخُ للشُّهُدِ
إنِّي تركتُ على الأيامِ قافيتي … حتى غدتْ رايةً تُتلى إلى الأبدِ
أنا الغريقُ… ولكنِّي على ثقةٍ … أنَّ البحارَ تُطيعُ العزمَ لا الزَّبَدِ
فإن سقطتُ، أقمتُ المجدَ من كبدي … وإن نهضتُ، نهضتُ الكونَ من جلدي.
