كتب: أشرف عبده
تظل قضايا علاج المرضى، وحماية المرأة، ودعم الأسر غير القادرة، من أسمى صور التكافل الإنساني والمجتمعي. ومن بين النماذج التي ارتبط اسمها بهذه الرسالة مستشفى بهية للكشف المبكر وعلاج سرطان الثدي، الذي أصبح حاضراً في وجدان كثير من المصريين باعتباره أحد المشروعات التي تستهدف مساندة المرأة في مواجهة مرض قاسٍ يحتاج إلى علاج مبكر ودعم مستمر.
ومع اتساع مساحة النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر من وقت إلى آخر منشورات وادعاءات تثير الجدل حول طريقة إدارة المؤسسات الخيرية لمواردها، ومن بينها ما يتعلق بمستشفى بهية. وهنا لا ينبغي أن يكون الموقف هو التصديق المطلق أو الرفض المطلق، وإنما العودة إلى المعلومات الموثقة، والبيانات الرسمية، وقواعد الحوكمة، واحترام حق المجتمع في المعرفة.
فالقضايا المرتبطة بالتبرعات وصحة المرضى لا تحتمل الشائعات، كما أنها لا تحتمل في المقابل إطلاق الأحكام دون دليل.
أولاً: التبرعات أمانة.. والشفافية هي الأساس
حين يتبرع المواطن لمؤسسة خيرية، فإنه يمنحها قبل أمواله ثقته. ولذلك فإن أهم ما يحمي هذه الثقة هو الوضوح في مصادر التمويل وأوجه الإنفاق وآليات الرقابة.
ومن المنطقي أن تمتلك المؤسسات الطبية الخيرية أنظمة مالية وإدارية تميز بين أنواع الخدمات ومصادر تمويلها، وأن تكون هناك آليات واضحة لمعرفة الأموال المخصصة للعلاج المجاني، والخدمات التي يتم تمويلها من مصادر أخرى، سواء كانت موارد ذاتية أو شراكات أو اتفاقيات تمويل.
ولا ينبغي النظر إلى تنوع مصادر التمويل باعتباره مشكلة في حد ذاته؛ فالمعيار الحقيقي هو:
هل توجد شفافية في الإعلان عن مصادر الأموال؟
هل يتم إنفاق التبرعات وفق الغرض المعلن لها؟
هل توجد رقابة ومراجعة مالية وإدارية؟
هل تصل الخدمة المجانية إلى المستحقين وفق القواعد المعلنة؟
وهل يستطيع المتبرع والمجتمع الاطلاع على المعلومات الأساسية التي تطمئنه إلى سلامة إدارة أمواله؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، بدلاً من الانشغال بالشائعات أو المقاطع المقتطعة من سياقها.
ثانياً: الإنسان أولاً.. والطب لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة للتمييز
من المهم التفريق بين حق المتبرع في معرفة كيفية إنفاق تبرعه وبين تحويل قضية العلاج إلى وسيلة لإثارة العداء تجاه فئة من المرضى بسبب جنسيتهم.
فالمرض لا يسأل عن جنسية صاحبه، والطبيب عندما يواجه حالة إنسانية لا يتعامل معها باعتبارها رقماً في معادلة سياسية، وإنما باعتبارها إنساناً يحتاج إلى الرعاية.
وهذا لا يعني إلغاء حق المؤسسات في تنظيم خدماتها أو تحديد مصادر تمويلها أو وضع قواعد الاستحقاق للعلاج المجاني؛ بل يعني أن الشفافية والإنسانية يمكن أن يجتمعا.
فمن حق المرأة المصرية غير القادرة أن تحصل على الدعم المخصص لها، ومن حق المؤسسة أن تحافظ على موارد المتبرعين وفق الأغراض المعلنة، وفي الوقت نفسه يمكن أن تقدم خدمات أخرى وفق أنظمة مالية مختلفة، متى كان ذلك منظماً ومعلاناً ومتوافقاً مع القوانين واللوائح.
ثالثاً: خطورة الشائعة لا تقل عن خطورة الخطأ
المشكلة الأكبر في تداول الأخبار غير الموثقة أنها لا تتوقف عند حدود منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالشائعة التي تستهدف مؤسسة تعتمد على التبرعات يمكن أن تؤدي إلى:
أولاً: زعزعة ثقة المتبرعين.
ثانياً: الإضرار بسمعة العاملين والمتطوعين والأطباء الذين يؤدون دوراً إنسانياً.
ثالثاً: التأثير بصورة غير مباشرة في المرضى الذين يعتمدون على استمرار الدعم والتبرعات.
رابعاً: تحويل قضية إنسانية إلى صراع بين المواطنين وفئات أخرى، بدلاً من مناقشة القضية الحقيقية، وهي جودة الخدمة وعدالة الوصول إليها وشفافية تمويلها.
ولهذا فإن نشر أي ادعاء يتعلق بأموال التبرعات أو حقوق المرضى يجب أن يسبقه سؤال بسيط: أين الدليل؟
رابعاً: النقد حق.. ولكن التشهير ليس نقداً
من حق المجتمع أن يسأل المؤسسات الخيرية، ومن حق المتبرع أن يطلب المعلومات، ومن حق الصحافة والإعلام أن يحقق في أي مخالفة محتملة.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين النقد المسؤول والتشهير.
النقد المسؤول يقول:
تريد معرفة مصادر التمويل، وأوجه الإنفاق، وآليات الرقابة.
أما الخطاب غير المسؤول فيبدأ بحكم نهائي، ثم يبحث عن أي صورة أو مقطع أو تعليق لتأكيده.
والأصل في مثل هذه القضايا أن يتم تقديم المستندات والبيانات الرسمية، ثم ترك التقييم للجهات المختصة وللرأي العام الواعي.
خامساً: لا تجعلوا الشائعة تهزم فكرة التكافل
قد يختلف الناس في تقييم مؤسسة أو سياسة أو طريقة إدارة، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع.
لكن الخلاف يجب ألا يؤدي إلى هدم فكرة التكافل نفسها.
فإذا كانت هناك ملاحظة على مؤسسة خيرية، فلتكن الملاحظة محددة، وإذا كانت هناك مخالفة، فلتقدم الأدلة إلى الجهات المختصة، وإذا كانت هناك شبهة، فليكن التحقيق هو الطريق إليها.
أما إطلاق الاتهامات العامة، أو استغلال مشاعر الناس، أو نشر معلومات غير مؤكدة، فقد يؤدي في النهاية إلى معاقبة المريض الذي لا علاقة له بكل هذا الجدل.
والأخطر أن يفقد المواطن ثقته في العمل الخيري كله، فيتردد في التبرع، بينما الخاسر الحقيقي قد يكون مريضاً ينتظر فحصاً أو علاجاً أو عملية.
كلمة أخيرة
إن قضية بهية ينبغي أن تُناقش بعيداً عن الانفعال والاستقطاب: لا تقديس للمؤسسات يمنع مساءلتها، ولا اتهام لها بلا دليل، ولا تحويل للمرضى إلى أدوات في معارك مواقع التواصل الاجتماعي.
المعادلة العادلة بسيطة: تبرعات شفافة، إدارة خاضعة للرقابة، علاج يصل إلى مستحقيه، وحق كامل للمجتمع في السؤال والمعرفة.
وفي المقابل، فإن مواجهة الشائعات لا تكون بشائعة مضادة، ولا بالتخوين، ولا بالهجوم على أصحاب الآراء المختلفة، وإنما تكون بالوثيقة، والبيان الرسمي، والرقابة، والشفافية.
فإذا ثبتت سلامة الإجراءات، وجب إنصاف المؤسسة وحماية سمعتها من الافتراء. وإذا ثبت وجود خلل، وجب تصحيحه ومحاسبة المسؤول عنه.
وفي الحالتين يبقى المبدأ الأهم فوق كل خلاف: المريض أولاً.. والإنسان أولاً.. وثقة المجتمع أمانة لا يجوز العبث بها.
