بقلم المؤلّف: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
أيها الأصدقاء والأدباء والشعراء..
أُخاطِبُكُم اليوم لا كباحثٍ يربط بين معادلات علوم الحاسب والرياضيات، بل كإنسانٍ ذاق طعم الارتقاء، وأيقنَ عبر رحلته أن الكلمة معادلة، والمعادلة قد تكون أجمل وأعمق حين تُكتب بروح شاعر وأديب.
أضع بين أيديكم ديواني «مقامات النور الرمادي»، وهو الشاهد الأدبي والروحي على صرح المشروع العربي لأدب الرياضيات أو (الرياضيات الأدبية)؛ ذلك الفن الأدبي والفلسفي الذي أردتُ من خلاله أن أثبت أن العقل والروح لا يتصادمان، وأن المنطق ليس جفافاً والأرقام ليست جموداً، بل هي هندسة إلهية ودفقٌ وجداني يُصاغ بـ جبر الروح ومنطق البصيرة.
من رماد الحيرة يبتدئ اليقين
تنساب قصائد هذا الديوان عبر معراجٍ من الأبواب والمقامات الروحية المتدرجة؛ فنبدأ معاً من منطقة ما قبل الضوء، حيث لا تُعدّ الحيرة والظلال عدماً، بل هي المهد الخفي الذي تُولد منه البصيرة، وحيث يكون الصفر نقطة البدء ومحيط البدايات الشاسع.
ومن هناك نلج إلى باب الشك لنكتشف أنه ليس حالة ضياع، بل هو مفتاح اليقين ومِعراج التمحيص الذي يتكفل بهدم الزيف والافتصال لبناء اعتقادٍ راسخ. ثم نصل إلى باب العقل الذي يتجلى فيه العقل لا كخصمٍ للوجدان، بل كـ «رفيقٍ للروح وحارسٍ لبصيرتها»، يزن البريق بالحكمة دون أن يُطفئ جذوة الإيمان.
رياضيات الروح وميزان الكلمة
في باب هندسة الوعي، نضع أيدينا على معمار اليقين ونيّة اللفظ حيث تُقاس الكلمة بميزان ثِقلها الروحي، وتتحول المعادلة إلى صلاة حتى «ينطق القلب بالمعادلة». فنُدرك عبر «رياضيات الروح» أن الإنسان يكمل بما يكسره، ويعلو بما يسقط فيه، وأن الاستقامة النفسية هي أقصر صراطٍ بين الذات والحقيقة.
ولأن الكشف لا يكتمل إلا بالصدق الصارم، نعبر إلى مقام «التعرّي أمام النفس» لنواجه ذواتنا بـ صدقٍ رياضيٍّ لا يقبل القسمة على اثنين، متجردين من الأقنعة ليكون النور نافذاً وشافياً.
سر النور الرمادي والحياد النيوتروسوفيكي
إن جوهر هذه المقامات يكمن في فكرة الحياد النيوتروسوفيكي أو النور الرمادي. فالرمادي في عُرفنا الأدبي والفلسفي ليس ضبابيةً أو بهوتاً، بل هو المقام الوسيط الذي تتصالح فيه الأضداد، وتستوي فيه الروح على حقيقتها الكاملة؛ حيث يذوب الشك في اليقين، ويتحول التكامل والجمع إلى اتساقٍ علوي يسع تناقضات الوجود.
وعندما تضيق العبارة وتتسع الرؤية، نصل في الختام إلى صمت الختم ومقام السكون الأزلي؛ هناك حيث يهدأ ضجيج الحروف، ويسكن السلوك، لينفتح القلب على بهاء المعنى الذي فوق المعنى.
أصدقائي الكرام، لم أكتب هذه المقامات لأغلق كتاباً أو أعلن نهاية رحلة، بل لفتح نوافذ في الروح؛ فإن وجدتم فيها ما يلمس قلوبكم، أو يُضيء خفقةً واحدة في عتمة الطريق، فتلك هي رسالة النور الرمادي حين يتسلل بسكينةٍ وبصيرة.
أترقب بشغفٍ أدبي وأخوي قراءتكم وتذوقكم لهذه التجربة، ويسعدني أن نتشارك حوار الرؤى والكلمات بين جنبات هذا النص.
