بقلم: أشرف عبده_مصر
لا توجد لافتة على أول شارع فيصل تقول “مرحباً بكم في أكبر تجربة سلام في الشرق الأوسط”، لكن الحقيقة أن هذا الشارع الطويل الممتد من الجيزة حتى الهرم، هو الآن أكبر مخيم لاجئين مفتوح في العالم بلا أسوار، وأكبر فصل دراسي مفتوح للسلام.
القصة:
أميرة، 34 سنة، كانت مدرسة لغة عربية في الخرطوم. في أبريل 2023 تركت بيتها بقميص واحد وهربت بثلاثة أطفال إلى أسوان، ثم إلى شقة غرفة وصالة في الطوابق فيصل تأوي 3 أسر سودانية. ابنها الصغير كان يجلس مع ابن جارتها المصرية منى، لكن اليوم أميرة أنشأت مع جاراتها السودانيات مدرسة سودانية صغيرة في شقة في الطابق الرابع في فيصل. سبورة خشب و20 مقعداً بلاستيك، تدرس فيها المنهج السوداني لأطفالها حتى لا يضيع عامهم الدراسي. هذه المدرسة المؤقتة التي أنشأها اللاجئون بأنفسهم هي ما يمنع ضياع جيل كامل.
الرقم الصادم:
لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة ومعلنة تعطي رقماً محدداً أو نهائياً لعدد السودانيين المقيمين في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة على وجه الخصوص، وهذه هي المشكلة الأولى. لكن التقديرات العامة وتقارير المنظمات الدولية تشير إلى الآتي: إجمالي السودانيين في مصر تقدره المنظمة الدولية للهجرة بنحو 4 ملايين شخص، بينما يقدر عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين بأكثر من مليون شخص.
التركز في فيصل والهرم:
تعد منطقتا فيصل والهرم من أبرز أماكن التمركز الكثيف للجالية السودانية، حيث تشير التقارير الإعلامية والتقديرات الميدانية إلى تركز نسبة كبيرة تصل إلى نحو 45% من بعض موجات القادمين في محور فيصل والهرم نظراً لانخفاض تكاليف المعيشة والإيجارات نسبياً مقارنة بمناطق أخرى. أي أن فيصل وحده يحتضن ما يقارب 400 إلى 500 ألف سوداني يعيشون بين المصريين بلا مخيم وبلا خيمة.
والجديد:
أنشأ السودانيون في مصر أكثر من 200 مدرسة مجتمعية سودانية في أماكن إقامتهم التي تمتلئ باللاجئين منهم، خاصة في فيصل والهرم وأسوان ومدينة نصر، لتعليم أبنائهم المنهج السوداني، لأن المدارس الحكومية المصرية لا تستوعب هذا العدد الضخم، وحتى لا يفقد الأطفال هويتهم التعليمية عند العودة.
الحل المقترح للسلام:
فيصل نجح حيث فشل العالم. الأردن بنت مخيم الزعتري المغلق بتكلفة 1000 دولار للفرد شهرياً، ومصر تركت الناس يعيشون مع بعضهم بتكلفة أقل من 100 دولار، والسودانيون أنفسهم بنوا مدارسهم بأيديهم. لكن هذا النجاح مهدد بارتفاع الإيجارات 300% وعدم ترخيص هذه المدارس. الحل ليس في طرد أحد، بل في ثلاث خطوات بسيطة ورخيصة:
1- حصر شفاف وترخيص للمدارس المجتمعية: لجنة من الحي ووزارة التربية والتعليم تعد عدد الشقق المؤجرة والمدارس السودانية المؤقتة وتنشر الرقم الحقيقي بدلاً من التخمين، وتمنحها ترخيصاً مؤقتاً كمراكز تعليمية مجتمعية حتى لا تغلق. 2- سقف استرشادي للإيجار: ورقة من الحي تحدد متوسط الإيجار في كل شارع حتى لا يستغل سمسار أزمة الحرب ويطرد المدارس أيضاً. 3- بطاقة تعايش وتعليم: تصريح عمل مؤقت رخيص يسمح لأميرة أن تبيع خبيزها بشكل قانوني وتدرس أطفالها، وتدفع ضرائب رمزية، فتحول من عبء إلى منتجة ومعلمة.
فيصل ليس شارعاً مزدحماً، فيصل هو رسالة سلام للعالم تقول: المصري والسوداني يمكن أن يعيشا في عمارة واحدة، والسودانيون أنفسهم يحمون تعليم أبنائهم بأنفسهم في شقق فيصل بدلاً من ضياعهم في الشارع. إذا نجح فيصل بمدارسه المؤقتة، ينجح السودان كله عندما يعود بشهاداته.
