مكة في مرمى النار

مسيّرة تقترب من مكة، إيران في خلفية المشهد، وإسرائيل تراقب… ومصر تقول: أمن المملكة من أمننا

By nagah hegazy

 هل تُدار حرب الحوثيين على السعودية بأيدٍ إيرانية… وتخدم حسابات إسرائيلية؟

مسيّرة تقترب من مكة، إيران في خلفية المشهد، وإسرائيل تراقب… ومصر تقول: أمن المملكة من أمننا

 
تحقيق وتحليل: د/رمضان بلال
 
هناك لحظات لا يكفي فيها أن نسأل:
من أطلق النار؟
بل يجب أن نسأل:
من سلّح؟ ومن موّل؟ ومن استفاد؟ ومن يريد لهذه النار أن تمتد؟
وهنا تبدأ الحكاية الأخطر.
مسيّرة حوثية تقول السعودية إنها اتجهت نحو مكة، فاعترضتها دفاعاتها الجوية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة. الحوثيون نفوا استهداف مكة أو أي مقدسات إسلامية، لكن الحادث وضع السعودية أمام تهديد بالغ الحساسية، خصوصاً بعدما تصاعدت الهجمات الحوثية بالصواريخ والمسيّرات على الأراضي السعودية.
لكن خلف الدخان والصاروخ والمسيّرة، تقف خريطة أكبر بكثير من اليمن.
خريطة تمتد من طهران إلى صنعاء، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، ومن باب المندب إلى إسرائيل.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام حرب حوثية على السعودية فقط… أم أمام صراع إقليمي تُستخدم فيه الساحة اليمنية للضغط على المملكة؟

إيران… الحلقة التي لا يمكن تجاهلها

ليس جديداً أن تكون إيران جزءاً من معادلة الحوثيين.
مصادر بحثية دولية توثق أن الحوثيين تلقوا أسلحة ودعماً من إيران، وأن هذا الدعم تطور مع مرور السنوات إلى قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة أكثر تعقيداً.
وهنا لا نتحدث عن مجرد علاقة سياسية.
السلاح يعني:
قدرة.
والقدرة تعني:
إمكانية تهديد.
والتهديد يعني:
ورقة ضغط على السعودية.
ومن هنا يصبح وصول السلاح الإيراني أو التقنيات المرتبطة به إلى الحوثيين جزءاً من المعادلة التي لا يمكن تجاهلها عند تحليل الهجمات على المملكة.
لكن السؤال الأهم:
هل تريد طهران حرباً شاملة مع السعودية؟
ليس بالضرورة.
قد يكون الهدف، في أحد التفسيرات الممكنة، إبقاء الرياض تحت ضغط أمني دائم، وإجبارها على توزيع مواردها بين الدفاع الجوي، وأمن الحدود، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين البحر الأحمر.
وهذا بالضبط ما يجعل الحوثي بالنسبة إلى إيران ورقة ضغط استراتيجية، حتى من دون أن يعني ذلك أن كل قرار عسكري حوثي يصدر بأمر مباشر من طهران.

لكن أين إسرائيل من هذه المعادلة؟

هنا يجب أن نكون أكثر حذراً.
لا توجد أمامنا أدلة منشورة تثبت أن إسرائيل أمرت الحوثيين باستهداف مكة، أو أنها تدير العمليات الحوثية عبر إيران.
لكن السياسة الدولية لا تُبنى دائماً على سؤال:
من أصدر الأمر؟
أحياناً تُبنى على سؤال آخر:
من يستفيد من إضعاف خصمه؟
والسعودية اليوم تقع في قلب شبكة صراعات إقليمية شديدة التعقيد.
ومن ثم يمكن طرح فرضية سياسية تستحق الدراسة:
إذا انشغلت السعودية بتهديد حوثي متصاعد على حدودها ومدنها وموانئها ومنشآتها الحيوية، فإن ذلك يفرض عليها استنزافاً سياسياً وعسكرياً وأمنياً.
وهنا قد تتقاطع مصالح أطراف مختلفة، حتى إذا لم تكن تعمل في غرفة عمليات واحدة.
وهذا فرق جوهري.
تقاطع المصالح لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة مشتركة.
لكن تجاهل تقاطع المصالح أيضاً قد يجعل التحليل ناقصاً.

لماذا السعودية؟

لأن المملكة ليست دولة هامشية في المنطقة.
إنها قوة اقتصادية وطاقة مركزية، ودولة خليجية ذات ثقل عربي وإسلامي، وتسيطر على جزء مهم من أمن البحر الأحمر، وتستضيف الحرمين الشريفين.
ولهذا فإن الضغط على السعودية لا ينتج أثراً سعودياً فقط.
إنه ينعكس على:
الخليج.
البحر الأحمر.
الطاقة.
الملاحة.
الاستثمار.
والتوازنات العربية.
وهنا نفهم لماذا أصبح التقدم الحوثي على الساحل اليمني وبالقرب من باب المندب تطوراً يتجاوز حدود اليمن؛ إذ تشير تقارير حديثة إلى سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية قرب المضيق، وسط تصعيد أوسع في المنطقة.

ومكة؟

هنا تتغير كل الحسابات.
استهداف منشأة نفطية يمكن تفسيره عسكرياً.
استهداف قاعدة جوية يمكن وضعه في إطار الرد والرد المضاد.
أما اقتراب مسيّرة من مكة، وفق الرواية السعودية، فإنه يفتح باباً مختلفاً تماماً.
لأن مكة ليست مجرد مدينة.
إنها رمز ديني عالمي.
ولهذا فإن السعودية أعلنت أن أمن الحرمين وسلامة الحجاج والمعتمرين خط أحمر.
وإذا كان الهدف فعلاً هو مكة، فإن الرسالة ـ إن ثبتت ـ لا تكون موجهة إلى الحكومة السعودية فقط.
بل إلى الوجدان الإسلامي كله.
وهنا تكمن الخطورة.

السعوديون أمام لحظة مختلفة

التهديد الخارجي عادةً يصنع لحظة التفاف داخلي حول الدولة.
وقد أعلنت الرياض أنها ستتخذ إجراءات حازمة في مواجهة الهجمات الحوثية، بينما توالت المواقف العربية المؤيدة للسعودية.
ومن الطبيعي أن يؤدي اقتراب الخطر من مكة إلى رفع مستوى الحساسية الشعبية السعودية تجاه أمن المملكة ومقدساتها.
لكن الرسالة الأهم ليست في الانفعال وحده.
إنما في أن المملكة ليست وحدها في هذه المواجهة السياسية.

ومصر تدخل المشهد من الباب الكبير

هنا تأتي القاهرة.
ففي 15 و16 سبتمبر 2026، أكدت مصر تضامنها الكامل مع السعودية وإدانتها للهجمات التي استهدفت أراضيها، كما شددت القاهرة على أن الأمن القومي المصري والسعودي مترابطان.
والأهم أن الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان بحثا أمن المنطقة والملاحة في البحر الأحمر، في وقت يتصاعد فيه التهديد الحوثي.
وهذه ليست مسألة بروتوكولية.
فمصر والسعودية تشتركان في مصالح مباشرة تتعلق بأمن البحر الأحمر، وباب المندب، وحركة التجارة، واستقرار المنطقة.
ولذلك فإن الرسالة المصرية يمكن تلخيصها سياسياً في معنى واضح:
أمن السعودية ليس ملفاً بعيداً عن القاهرة.
هل تستطيع إيران دفع الحوثيين أبعد؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن تراقبه العواصم العربية.
لأن المشكلة ليست في مسيّرة واحدة.
المشكلة في تراكم القدرة.
كلما ازدادت القدرات الصاروخية والمسيّرة لدى الحوثيين، ازدادت قدرة الجماعة على تهديد العمق السعودي.
وكلما اقترب التهديد من مكة أو المنشآت الحيوية أو طرق الملاحة، ارتفعت كلفة الصراع على المملكة وعلى المنطقة كلها.
وهنا تدخل إيران في معادلة شديدة التعقيد:
فهي تستطيع الاستفادة من نفوذ الحوثيين كورقة ضغط، لكن اتساع الحرب بصورة غير محسوبة قد يدفع السعودية ودولاً عربية أخرى إلى توثيق تعاونها الأمني والعسكري.
وقد ظهر بالفعل في الأيام الأخيرة طلب سعودي للمساعدة من حلفاء إقليميين ودوليين في مجال الدفاع الجوي، بحسب وكالة أسوشيتد برس.

وهنا قد تكون إسرائيل أمام معادلة أخرى

مرة أخرى، لا توجد لدينا أدلة كافية للقول إن إسرائيل تقف وراء الهجوم الحوثي.
لكن وجود إسرائيل في الحرب الإقليمية يجعلها جزءاً من حسابات كل طرف.
فإذا توسعت المواجهة السعودية ـ الحوثية، فإن المنطقة تصبح أكثر انقساماً، وتتعقد ملفات التطبيع والتحالفات والأمن الإقليمي، بينما تستمر الحرب الأوسع المرتبطة بإيران وإسرائيل.
لذلك فإن السؤال الاستقصائي الحقيقي ليس:
هل أطلقت إسرائيل المسيّرة؟
بل:
هل تخدم حالة الاستنزاف الإقليمي بعض المصالح الإسرائيلية، حتى من دون وجود قرار إسرائيلي مباشر بتنفيذ الهجوم؟
هذا سؤال مشروع للبحث.
لكن جوابه يحتاج إلى وثائق واستخبارات وأدلة، لا إلى التخمين.

المؤامرة… أم تقاطع المصالح؟

وهنا أصل القضية.
قد يرى البعض أن ما يحدث جزء من مشروع إيراني لإضعاف السعودية.
وقد يرى آخرون أن إسرائيل تستفيد من انشغال القوى العربية بعضها ببعض.
وقد يذهب فريق ثالث إلى أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لانهيار قواعد الردع في المنطقة واتساع الحرب.
والحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً من أي رواية منفردة.
ففي الشرق الأوسط يمكن أن تتقاطع مصالح دول مختلفة من دون أن تجلس كلها حول طاولة واحدة.
إيران قد تريد توسيع نفوذها.
الحوثيون قد يريدون فرض شروطهم في اليمن والبحر الأحمر.
إسرائيل قد تنظر إلى التحولات الإقليمية من زاوية أمنها وصراعاتها مع إيران.
والسعودية تريد حماية أراضيها ومصالحها ومقدساتها.
وهنا تتحول المنطقة إلى رقعة شطرنج لا يتحرك فيها لاعب واحد.

لكن هناك خطاً لا ينبغي تجاوزه

مكة.
إذا ثبت يوماً بالدليل أن طرفاً ما تعمد استهداف الحرم المكي، فسيكون ذلك تطوراً مختلفاً جذرياً عن أي هجوم على منشأة عسكرية.
أما الآن، فالواجب هو انتظار الأدلة، مع التعامل مع التهديد بجدية كاملة.
فالمبالغة في الاتهام قد تشعل حرباً.
والاستخفاف بالتهديد قد يسمح بتكراره.
وبين الاثنين تقف الحقيقة.

السعودية ومصر… ورسالة البحر الأحمر

في هذه اللحظة، تبدو القاهرة والرياض أمام مصلحة مشتركة واضحة: حماية أمن البحر الأحمر ومنع اتساع الحرب إلى مساحات جديدة.
وقد أكدت مصر بالفعل تضامنها مع المملكة ودعمها للإجراءات السعودية لحماية أمنها واستقرارها.
أما على المستوى الشعبي، فإن المساس بمكة أو مجرد الشعور بأنها مهددة يمكن أن يرفع بصورة طبيعية مشاعر التضامن مع المملكة بين السعوديين والعرب والمسلمين.
وهذه المشاعر، إذا تحولت إلى موقف وطني منظم داعم لأمن الدولة، تصبح عاملاً سياسياً مهماً؛ أما تحويلها إلى خطاب كراهية أو دعوة إلى استهداف شعوب أخرى فسيزيد دائرة الصراع ولن يحمي المقدسات.

السؤال الأخير… والأخطر

هل كانت المسيّرة مجرد سلاح حوثي؟
أم حلقة في صراع أكبر؟
هل إيران تستخدم الحوثيين لتطويق السعودية؟
هل تستفيد إسرائيل من استمرار الاستنزاف الإقليمي، حتى دون دليل على أنها تقف خلف هذه العملية تحديداً؟
هل يمكن أن تتحول مكة إلى نقطة تستدعي تحالفاً عربياً وإسلامياً أوسع؟
وهل تستطيع مصر والسعودية معاً منع البحر الأحمر من التحول إلى مسرح دائم للحرب؟
كل هذه الأسئلة مفتوحة.
لكن شيئاً واحداً لم يعد قابلاً للتجاهل:
السعودية اليوم لا تواجه مجرد طائرة مسيّرة.
إنها تواجه بيئة إقليمية تتقاطع فيها إيران والحوثيون وإسرائيل والصراع على البحر الأحمر والطاقة والممرات الاستراتيجية.
ولهذا فإن حماية المملكة ليست مجرد مسألة حدود.
وحماية مكة ليست مجرد مسألة أمن جوي.
إنها قضية تتصل بأمن منطقة كاملة.
ومن القاهرة إلى الرياض، تبقى الرسالة الأهم:
لا ينبغي أن تتحول مقدسات المسلمين إلى ورقة في لعبة النفوذ الإقليمي.
والحقيقة، مهما كانت قاسية، يجب أن تظل أقوى من الشائعة، والدليل أقوى من الاتهام، والعقل أقوى من الانفعال.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!