بقلم: أ.د. أحمد سلامة (مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات)
ركبتُ ذات مساءٍ مع سائق تاكسي بسيط، لا يحمل شهادةً ولا يملك لقبًا من تلك الألقاب الزائلة، لكنه كان يحمل قلبًا أكبر من الدنيا. جلسنا نتحدث عن الفلوس والرزق، فإذا به يقول لي بصفاءٍ نادر:
رزقي مع الفلوس يومي، وأحمد الله على ذلك، لأني كل يوم أجمع أولادي وأقول لهم: عملت ما في وسعي لكم في يومي، ومش تسألوني عن غد، لأن لو مت النهاردة ربنا مش هيسألني عن بكرة.
توقفت الكلمات في صدري، كأنها آيةٌ تُتلى بلا كتاب. فقلت له: صدقت. فأجابني بحديثٍ قدسيٍّ يفيض نورًا:
يا ابن آدم، لا تسألني عن رزق غد، لأني لا أسألك عن عمل غد.
حينها بكيت، ودعوت له ولأولاده، ولأبيه الذي رحل إلى رحمة الله. كان المشهد مفارقةً عجيبة: رجلٌ غير متعلم، لكنه يملك من الحكمة ما لا تُعطيه الجامعات، ومن اليقين ما لا تُمنحه الدرجات.
لقد علّمني هذا السائق أن الرزق ليس في كثرة المال، بل في طمأنينة القلب، وأن الغد ليس ملكًا لنا، بل أمانةً في يد الله.
وأن أعظم شهادةٍ يمكن أن يحملها الإنسان هي شهادة الرضا، وأعظم درجةٍ هي درجة التسليم.
فيا ليتنا نتعلم من البسطاء ما عجزت عنه الكتب، ونفهم أن الحكمة قد تسكن في قلبٍ لا يعرف القراءة، لكنها تعرف كيف تقرأ أبواب السماء.
