بقلم: أيمن بحر_غرد بالمصري
في الحياة، تأتي لحظات يصبح فيها السير وحدك ليس اختياراً بل ضرورة؛ عندما تكتشف أن الطريق الذي تؤمن به لا يراه الآخرون، وعندما تجد أن بعض من حولك يريدون منك أن تتخلى عن مبادئك حتى تشبههم أو أن تتنازل عن قناعاتك حتى يرضوا عنك.
ليس معنى أن تمشي وحدك أنك تكره الناس أو أنك لا تحتاج إلى أحد، فكل إنسان يحتاج إلى من يسنده ويشاركه الطريق، ولكن هناك فرق كبير بين أن تبحث عن الرفقة وبين أن تجعل وجود الآخرين شرطاً للاستمرار.
أحياناً يكون الطريق الصحيح هادئاً ومليئاً بالوحدة، بينما يكون الطريق الخطأ مزدحماً بالتصفيق والضجيج. وليس كل من يمشي معك يحبك، وليس كل من يختلف معك عدوك، ولكن الإنسان العاقل يعرف متى يستمع، ومتى يصر على موقفه، ومتى يدرك أن التنازل عن مبدأ من أجل إرضاء الآخرين هو أول خطوة نحو خسارة نفسه.
الذئب لا يساوم القطيع على طريقه؛ لأنه يعرف أن لكل مخلوق طريقاً وقدراً ومساراً خاصاً به. وفي حياة الإنسان أيضاً، هناك قرارات لا يجوز أن يحددها الآخرون نيابة عنه، وهناك أحلام لا ينبغي أن يتخلى عنها فقط لأن البعض لم يؤمن بها.
قد تخسر أشخاصاً عندما تختار طريقك، وقد يصفك البعض بالعناد، وقد يقول آخرون إنك تغيرت، ولكن الحقيقة أنك ربما لم تتغير، بل أصبحت أكثر وضوحاً مع نفسك وأكثر قدرة على التمييز بين من يريد لك الخير ومن يريدك مجرد نسخة منه.
لا تخف من الوحدة إذا كانت الوحدة هي ثمن الحفاظ على كرامتك، ولا تخف من الابتعاد إذا كان القرب سيجبرك على التنازل عن مبادئك، ولا تجعل حاجتك إلى الآخرين تدفعك إلى قبول ما لا يليق بك. فالإنسان القوي ليس من لا يحتاج إلى أحد، وإنما من يستطيع أن يستمر عندما لا يجد أحداً إلى جواره.
امش في طريقك بهدوء ولا تلتفت كثيراً إلى الأصوات التي تحاول إيقافك، واعرف أن النجاح لا يحتاج دائماً إلى جمهور، وأن الحقيقة لا تصبح باطلة لأنها لم تجد من يصفق لها، وأن الإنسان قد يقف وحيداً في بداية الطريق، ثم يجد في نهايته كل الذين كانوا يقولون له إنه لن يصل.
كن وفياً لمبادئك، واحترم الآخرين، ولا تظلم أحداً، ولا تجعل اختلافك مع الناس سبباً في كراهيتهم، ولكن في الوقت نفسه، لا تسمح لأحد أن يختار لك حياتك، أو يحدد لك أحلامك، أو يرسم لك حدود مستقبلك؛ فبعض الطرق لا يصل إليها إلا من امتلك شجاعة السير وحده.
وفي النهاية، تذكر أن الوحدة المؤقتة أرحم كثيراً من صحبة تجبرك على أن تفقد نفسك، وأن خسارة بعض الأشخاص قد تكون أحياناً بداية لاكتشاف قيمتك، وأن الطريق الذي تختاره بإيمان وكرامة أفضل من طريق مزدحم تسير فيه وأنت لا تعرف إلى أين تذهب.
امش وحدك إن لزم الأمر، ولكن لا تتخل عن إنسانيتك، ولا عن أخلاقك، ولا عن مبادئك؛ فالأسد لا يحتاج إلى أن يثبت قوته بالزئير كل لحظة، والقوي الحقيقي يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يمضي قدماً دون أن ينتظر إذناً من أحد.
بقلم: أيمن بحر
