همسة في أُذُن الزمان

الحلقة الأولى: حين يجني الأبرار ثوابهم… لا تجعلوا الوفاء مؤجَّلًا إلى ما بعد الرحيل!

By nagah hegazy
همسة في أُذُن الزمان بقلم د رمضان بلال
بقلم: د/ رمضان بلال
(خاص – منصة غرد بالمصري)
 
يا زمان، تمهَّل قليلًا… وأصغِ إليَّ، فلي في أُذنك همسةٌ طالما اختنقت في صدور الطيبين، وكبرت في قلوب المخلصين، حتى صارت وجعًا لا يُقال، وعتابًا لا يسمعه إلا من أتعبه الانتظار.
يا زمان، لماذا نترك الأبرار طويلًا في طوابير الانتظار؟ لماذا نُحمِّل أصحاب القلوب النقية أعباء الوفاء، ونطالبهم بالصبر، ثم نمضي في حياتنا كأن ما قدموه كان واجبًا لا يستحق الشكر، وكأن أياديهم التي امتدت إلينا يوم احتجنا لم تكن يومًا سببًا في نجاتنا؟ لماذا نؤجل الاعتراف بالفضل، ونؤخر رد الجميل، حتى إذا غاب أصحابه، ازدحمت الكلمات على ألسنتنا، وتسابقنا إلى رثائهم، وقلنا بملء الحزن: كان رجلًا عظيمًا، وكانت امرأةً لا تُعوَّض، وكان قلبًا لا يعرف إلا الخير!
يا زمان، أهذه هي حكمتك؟ أن نعرف قيمة النور بعد أن تنطفئ المصابيح، وأن ندرك دفء الأيدي بعد أن تبرد، وأن نبحث عن الوجوه التي منحتنا الطمأنينة حين تصبح الصور آخر ما تبقى منها؟
إنني لا أكتب اليوم عن أناس ينتظرون مكافأةً على كل خير صنعوه، ولا عن قلوب تتاجر بالمحبة أو تُحصي معروفها على الآخرين؛ إنني أكتب عن أولئك الذين أعطوا لأن العطاء جزء من تكوينهم، وساندوا لأنهم لا يحتملون رؤية إنسان ينكسر، وصبروا لأنهم آمنوا أن النبل ليس موقفًا عابرًا، بل شرفٌ يُصان حتى حين يتخلى الآخرون عن شرف المواقف.
أكتب عن إنسانٍ حمل همَّ غيره، بينما كان أحقَّ الناس بمن يحمل همَّه؛ وعن صاحب فضلٍ فتح أبوابه حين أُغلقت الأبواب، وعن مخلصٍ أنقذ موقفًا ولم يطلب تصفيقًا، وعن نبيلٍ حفظ الودَّ في زمنٍ صار فيه الودُّ قابلًا للمساومة، وعن كل قلبٍ اختار أن يبقى نقيًّا، رغم أن الحياة منحته أسبابًا كثيرة ليصبح قاسيًا.
هؤلاء لا يريدون تمثالًا، ولا ينتظرون قصيدةً تُكتب بأسمائهم، ولا يطلبون من العالم أن يتوقف احترامًا لهم؛ كل ما يريدونه أحيانًا كلمة صادقة، واعترافًا بالجميل، وموقفًا يردُّ إليهم بعض ما منحوه، وشعورًا بسيطًا بأن الخير الذي زرعوه لم يسقط في أرضٍ بور.
وهنا، يا زمان، تبدأ الحكاية الحقيقية: ليس المطلوب أن نجعل الخير تجارةً، بل ألّا نجعل الإخلاص خسارةً، وليس المطلوب أن نشتري المحبة بالهدايا، بل ألّا نكسر قلوب الذين أحسنوا إلينا.
إن للأبرار ثوابًا عند الله لا يضيع، وعدلًا إلهيًّا لا تخطئه الموازين، ولكن للإنسان أيضًا حقًّا في عدل البشر، وفي تقديرٍ يصل إليه وهو حي، وفي إنصافٍ لا ينتظر أن يتحول إلى ذكرى. فكم من إنسانٍ كان يحتاج إلى كلمة تشدُّ أزره، فجاءته بعد فوات الأوان! وكم من صاحب فضلٍ كان ينتظر موقفًا واحدًا يطمئنه أن ما فعله لم يُنسَ، فلم يجد إلا الصمت! وكم من قلبٍ رحل وفي داخله سؤالٌ موجع: هل عرفوا حقًّا ماذا كنت أُخفي من تعبٍ وراء ابتسامتي، وماذا دفعتُ من عمري كي تبقى حياتهم أكثر أمنًا وطمأنينة؟
يا أيها الإنسان، لا تؤجل الوفاء. إذا كان في قلبك امتنانٌ لأحد، فقُلْه. وإذا كان لك عند أحدٍ اعتذار، فلا تجعل كبرياءك جدارًا يحجب عنك طريق المصالحة. وإذا رأيت صاحب فضلٍ مهمومًا، فلا تكتفِ بمدحه في غيابه؛ كن إلى جواره في حضوره. وإذا وجدت إنسانًا ظلَّ وفيًّا لك حين تبدَّل الآخرون، فلا تختبر وفاءه مرةً أخرى؛ فقد يكون قد دفع من روحه ما يكفي ليثبت لك أنه لا يتغير بسهولة.
ولا تظن أن الكلمة الطيبة أمرٌ صغير؛ فقد تُعيد إلى إنسانٍ إيمانه بنفسه، وقد تُرمِّم في قلبه ما عجزت عنه سنواتٌ من الصبر. ولا تظن أن ردَّ الجميل رفاهية؛ فقد يكون هو الفارق بين قلبٍ يواصل العطاء مطمئنًّا، وقلبٍ يقرر في صمتٍ ألّا يمنح أحدًا فرصةً أخرى لإيلامه.
ومع ذلك، ليس كل تأخرٍ في الإنصاف ظلمًا، وليس كل صمتٍ نكرانًا، وليس كل من عجز عن رد الجميل جاحدًا؛ فالناس تتفاوت في قدرتها، وتضيق أيدي بعضهم وإن اتسعت قلوبهم. إنما العتاب الحقيقي موجَّهٌ إلى من عرف الفضل ثم أنكره، ورأى الإخلاص ثم استهان به، وامتلك القدرة على الإنصاف ثم اختار أن يحجب الحقَّ عن صاحبه.
يا زمان، همستي إليك اليوم ليست شكوى من الحياة، بل دعوةٌ إلى أن تصبح أكثر رحمةً بقلوبٍ لم تطلب منها الحياة إلا أن تظل طيبة. دعوةٌ إلى أن يتعلم الناس أن النبل لا يعني أن نترك أصحابه وحدهم، وأن التسامح لا يعني أن نستبيح مشاعر المتسامحين، وأن الصبر لا يمنحنا الحق في إطالة أوجاع الصابرين.
فليجْنِ الأبرار ثوابهم وهم بيننا، وليذق المخلصون طعم الوفاء قبل أن يرحلوا، ولتصل كلمات التقدير إلى أصحابها قبل أن تصبح رسائلَ نكتبها إلى الغائبين.
أما أنت، أيها الطيب الذي ظنَّ يومًا أن خيره قد ضاع، فلا تسمح لخيبةٍ أن تسرق منك جوهرك. لا تندم لأنك كنت وفيًّا، ولا تخجل لأنك أحسنت، ولا تجعل جحود إنسانٍ واحدٍ حكمًا على البشر جميعًا. واصل الخير بوعيٍ يحفظ كرامتك، وبحكمةٍ تضع لكل علاقة حدودها، وبقلبٍ يعرف أن العطاء فضيلة، وأن صيانة النفس فضيلةٌ أيضًا.
فربُّ الخير لا ينسى، والأيام تكشف ما تخفيه الوجوه، والحق قد يتأخر في عيون الناس لكنه لا يسقط من ميزان الله. غير أن أجمل انتصارٍ للطيبين ليس أن ينتظروا سقوط من خذلهم، بل أن يعيشوا أعزَّ نفسًا، وأصفى قلبًا، وأن يروا الخير الذي صنعوه يتحول إلى نورٍ في حياة الآخرين.
وفي ختام همستي الأولى، أقول لك يا زمان: لا أطلب منك أن تمنح الطيبين حياةً بلا وجع، ولا أن تجعل الطريق أمام المخلصين مفروشًا بالورود؛ أطلب فقط ألّا تُطِل امتحانهم بلا رحمة، وألّا تسمح للجحود أن يصبح قاعدة، وللوفاء أن يصبح استثناءً، وللتقدير أن يتحول إلى كلماتٍ لا تُقال إلا عند القبور.
فالقلوب الطيبة لا تطلب أن تُكافأ على كل نبضة، لكنها تستحق ألّا تُعاقَب على نقائها… والأبرار لا ينتظرون من الدنيا أن تمنحهم الخلود، بل يتمنون ألّا يرحلوا قبل أن يعرفوا أن لوجودهم أثرًا، ولعطائهم قيمةً، ولقلوبهم مكانًا في قلوب من أحسنوا إليهم.
هذه هي همستي إلى أُذُن الزمان… فهل يسمعها الإنسان قبل أن يفوته أوان الوفاء؟
والآن، شاركوني الرأي: هل أصبحنا نُجيد رثاء أصحاب الفضل أكثر مما نُجيد إنصافهم وهم أحياء؟ وما الكلمة التي تتمنى أن يسمعها منك إنسانٌ أحسن إليك يومًا؟
تابعوا سلسلة «همسة في أُذُن الزمان»؛ ففي كل حلقةٍ همسةٌ إلى الضمير، ورسالةٌ إلى الإنسان، ومحاولةٌ لاستعادة ما ينبغي ألّا نفقده أبدًا: إنسانيتنا.
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!