بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي_غرد بالمصري
بعد ست سنوات من التوقيع على الاتفاقيات الإبراهيمية في حديقة البيت الأبيض، لم يعد السؤال المطروح هو كيف يمكن توسيع هذه الاتفاقيات، بل لماذا توقفت عن جذب أي دولة عربية جديدة، لم تكن الاتفاقيات مجرد وثائق دبلوماسية، بل قامت على ثلاثة افتراضات استراتيجية بدت صلبة في عام 2020، لكنها انهارت الواحد تلو الآخر حتى تحولت إلى عبء سياسي لا يجرؤ أحد على حمله، الافتراض الأول كان أن السلام الاقتصادي قادر على تجاوز القضية الفلسطينية، وأن الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة يمكن أن تخلق مصالح تجعل الدول العربية تتجاهل ما يحدث للفلسطينيين، الافتراض الثاني كان أن إيران هي التهديد الأول، وأن الدول العربية مستعدة للانضمام إلى تحالف أمني تقوده إسرائيل وواشنطن لمواجهتها، الافتراض الثالث كان أن الولايات المتحدة قادرة على تقديم ضمانات أمنية موثوقة لأي دولة تدفع ثمن التطبيع، وأن هذه الضمانات قابلة للاستمرار، ما حدث بعد أكتوبر 2023 كشف هشاشة الافتراضات الثلاثة في آن واحد، ولم يترك أي مجال للشك.
لنبدأ بالافتراض الأول، فكرة السلام مقابل الاقتصاد التي كانت جوهر خطاب جاريد كوشنر، انهارت هذه الفكرة أمام مشهد الحرب على غزة، لم يعد الشارع العربي يقبل فكرة أن التطبيع يمكن أن يستمر بينما يُقتل الفلسطينيون بالمئات الأرقام تتحدث بوضوح، ففي المغرب انخفض تأييد التطبيع من 31% في 2022 إلى 13% بعد أكتوبر 2023، وفي السعودية وصلت المعارضة إلى 61% في 2024 و2025، وهو أدنى مستوى معارضة بين الدول المشمولة بالاستطلاع لكنه رقم كافٍ لإغلاق ملف التطبيع تماماً، والأهم من الأرقام هو ما كشفته من أن السلام الاقتصادي لم يكن أبداً سلاماً حقيقياً، بل كان غطاءً سياسياً هشاً انكشف أمام أول صدمة إنسانية كبرى، لم تعد الحكومات العربية قادرة على التقدم في التطبيع دون ثمن داخلي لا تستطيع تحمله، كما قال أحد المسؤولين السعوديين بوضوح إن الدولة الفلسطينية شرط مسبق للاندماج الإقليمي.
أما الافتراض الثاني، فكرة أن إيران هي العدو المشترك الذي يمكن أن توحد العرب وإسرائيل، فقد انهار هو الآخر بشكل مفاجئ، صحيح أن التعاون الأمني بين الإمارات وإسرائيل تعزز أثناء المواجهة مع إيران، حيث قدمت إسرائيل أنظمة دفاعية واستخباراتية للإمارات، لكن هذا التعاون لم يتحول إلى أساس لتوسيع الاتفاقيات، بل على العكس كشف أن الدول العربية تريد أمنها دون أن تتحمل تكاليف التحالف مع إسرائيل، السعودية لم تقبل حتى بمساعدة استخباراتية إسرائيلية ضد الحوثيين كذريعة للتطبيع، ورفضت السماح لطائرة إسرائيلية بالهبوط على أراضيها، والأهم أن الرياض بدأت تتجه نحو خيارات إقليمية بديلة، من تعزيز العلاقات مع قطر وتركيا إلى البحث عن تفاهمات مع إيران نفسها، بدلاً من الانضمام إلى محور مناهض لطهران، الافتراض بأن العرب سيقبلون إسرائيل كشريك أمني ضد إيران لم يعد قائماً، لأن العرب يريدون أمناً لا يستلزم تحالفاً مع دولة يُنظر إليها في الشارع كتهديد أكبر من إيران نفسها.
الافتراض الثالث والأخير، الثقة في الضمانة الأمريكية، هو الذي انهار بشكل ربما لا رجعة فيه، الاتفاقيات الإبراهيمية قامت على فكرة أن واشنطن قادرة على حماية حلفائها، لكن ما حدث في 2026 أثبت العكس، فالقواعد الأمريكية في الخليج أصبحت أهدافاً، والضمانة الأمريكية لم تعد تعني ما كانت تعنيه، طلب ترامب من السعودية وقطر الانضمام إلى الاتفاقيات كشرط لصفقة مع إيران لم يلقَ سوى صمت دبلوماسي، ووصف المحللون هذا الطلب بأنه منفصل عن الواقع، الدول الخليجية لم تعد تنظر إلى التطبيع كبوابة لأمن أمريكي، لأنها رأت بأم عينها أن أمريكا نفسها لم تعد قادرة أو راغبة في حماية قواعدها، وحين تنهار الضمانة الأمنية ينهار الدافع الأساسي للتطبيع معها.
بعد ست سنوات يمكن القول إن الاتفاقيات الإبراهيمية لم تفشل لأنها وُقعت، بل لأنها وُقعت على افتراضات لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي، السلام الاقتصادي لا يتجاوز الدم، وإيران ليست العدو الذي يوحد، وأمريكا ليست الضامن الذي لا يخيب، ما تبقى هو إطار دبلوماسي بلا روح، يجتمع مسؤولوه من حين لآخر في غرف مغلقة، بينما الشارع العربي يرفضه، وإسرائيل ترفض دفع ثمنه، وأمريكا لم تعد تريده، الاتفاقيات التي أرادت أن تغير الشرق الأوسط غيرت نفسها فقط، وتحولت من مشروع توسع إلى مشروع دفاع عن النفس.
