بقلم الدكتورة سوزان عرفة_غردبالمصري
أي تعليم نطمح إليه إذا كان الطالب يجلس أمام معلمه مثقلًا بالقلق، ويخوض امتحاناته تحت ضغط الخوف من الفشل، ويواجه التنمر والسخرية دون أن يجد من ينصت إليه أو يمد له يد المساعدة؟ وكيف نتحدث عن تطوير التعليم وصناعة أجيال قادرة على الابتكار والمنافسة، بينما تظل الصحة النفسية لبعض أبنائنا قضية مؤجلة، لا تحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع خطورتها وتأثيرها في حاضرهم ومستقبلهم؟
إن حماية الصحة النفسية للطلاب يجب أن تتحول إلى أولوية حقيقية داخل مدارسنا، لا مجرد شعار تربوي يتردد في المناسبات. فالمطلوب ليس إعفاء الطلاب من المسؤولية أو التراجع عن معايير الانضباط والتفوق، وإنما تحقيق التوازن بين التحصيل الدراسي والاستقرار النفسي، بما يضمن فرصًا أفضل للتعلم والنمو والإبداع.
وتتطلب هذه القضية مراجعة جادة لبعض الممارسات التي تختزل نجاح الطالب في درجات الامتحانات، وتتجاهل الفروق الفردية والظروف الأسرية والاجتماعية التي قد تؤثر في أدائهم. فالطالب الذي يشعر بالخوف المستمر أو يتعرض للإهانة والمقارنة الجارحة قد يفقد ثقته بنفسه، حتى إن امتلك قدرات ومواهب تؤهله للتفوق. كما أن تجاهل المشكلات النفسية لا يؤدي إلى اختفائها، بل قد يتركها تتفاقم في غياب التدخل المبكر والدعم المناسب.
وتأتي الضغوط الدراسية في مقدمة التحديات، خاصة عندما تتحول الامتحانات إلى مصدر دائم للتوتر، ويصبح التفوق الدراسي المعيار الوحيد لتقييم الأبناء داخل الأسرة. وهنا تبرز أهمية توعية أولياء الأمور بتقدير جهود أبنائهم ومساعدتهم على تجاوز التعثر بدلًا من توجيه اللوم أو مقارنتهم بالآخرين. فالخطأ جزء من عملية التعلم، والتعثر لا يعني الفشل.
كما أن مواجهة التنمر داخل المدارس تمثل خطوة أساسية لحماية الطلاب، من خلال وضع قواعد واضحة تمنع الإيذاء اللفظي والجسدي، وتوفير وسائل آمنة للإبلاغ عن التجاوزات، والتعامل الجاد مع الشكاوى، مع نشر ثقافة الاحترام وتقبل الاختلاف. وينبغي ألا يقتصر دور المدرسة على معاقبة المتنمر، بل يمتد إلى حماية من يتعرضون للإيذاء ومنع تكرار هذه الممارسات.
غير أن نجاح هذه الجهود يتوقف على القيادة المدرسية؛ فالرعاية النفسية ليست مهمة الأخصائي وحده، بل مسؤولية تبدأ من مدير المدرسة. ويمكن ترجمتها إلى إجراءات محددة: تدريب المعلمين على ملاحظة مؤشرات الضيق النفسي دون التسرع في التشخيص، وتيسير حصول الطلاب على الدعم النفسي والاجتماعي عند الحاجة، بما يضمن احترام خصوصيتهم والتدخل المبكر قبل تفاقم مشكلاتهم، ومراجعة كثافة الاختبارات وأساليب العقاب، والاستماع دوريًا إلى الطلاب بشأن شعورهم بالأمان والانتماء. والأهم أن تراجع المدرسة أثر هذه الإجراءات، لا أن تكتفي بحملات التوعية.
وهنا يستحق الأمر وقفة تأمل: هل نقيس نجاح المدرسة بعدد المتفوقين فقط، أم بقدرتها أيضًا على احتواء الطالب المتعثر قبل أن يفقد ثقته بنفسه؟ إن مسؤولية حماية الصحة النفسية لا تقع على المدرسة وحدها، وإنما تتطلب شراكة حقيقية مع الأسرة والمؤسسات الصحية والمجتمعية.
وفي النهاية، فإن تطوير التعليم يبدأ من الاهتمام بالإنسان الذي يمثل محور العملية التعليمية وغايتها. فبناء العقول لا ينفصل عن حماية النفوس، والتفوق الحقيقي لا يقاس بالدرجات وحدها، وإنما بقدرة الطالب على التعلم والتفكير والإبداع ومواجهة تحديات الحياة بثقة واتزان. إن الصحة النفسية في مدارسنا ليست رفاهية تربوية، بل ضرورة تعليمية واستثمار وطني في أجيال الغد، لأن المدرسة التي تحمي نفسية طلابها تضع أساسًا متينًا لمجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا وقدرة على صناعة المستقبل.
