بقلم: د/ رمضان بلال_غرد بالمصري
تخيّلوا أن رجلًا أقام العدل، وحمل هموم الأمة، وخاف أن يُسأل أمام الله عن أمانة ضائعة، ثم ظلّ قلبه مشغولًا بلقاء ربه! ذلك هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي ارتبطت سيرته في وجدان المسلمين بالعدل ومهابة المسؤولية والخوف من الحساب.
يا لها من عبارة: « يا ليتني نجوتُ منها كفافًا! لا لي ولا عليَّ» تلك التى قالها الفاروق، يا لها من صرخة لو سمعها زماننا لأطرق خجلًا!
يا عمر، ماذا لو رأيت زمانًا صار فيه المنصب عند بعض الناس غايةً لا أمانة، والكرسي مكسبًا لا تكليفًا، والسلطة بابًا للتعالي بدلًا من خدمة الناس؟
ماذا لو رأيت من يفرح بارتفاعه فوق الآخرين، ولا يحزن لانكسار مظلوم؟ ومن يجمع حوله أصحاب المصالح، ثم يظن أن كثرة المصفقين دليل على صحة الطريق؟ ومن يخاصم من أجل كرسي، ويقطع رحمًا من أجل نفوذ، ويهدر كرامة إنسان كي يحافظ على صورةٍ صنعها لنفسه؟
ماذا لو رأيت حقوقًا تضيع بين المكاتب، وشكاوى تتوه بين التوقيعات، وأناسًا ينتظرون الإنصاف، بينما ينشغل بعض المسؤولين بتجميل المشهد وإخفاء الأخطاء بدلًا من إصلاحها؟
ليس كل مسؤول ظالمًا، ولا كل صاحب منصب غافلًا؛ ففي الناس شرفاء يؤدون الأمانة ويخدمون الخلق بصمت. لكن الصرخة موجّهة إلى كل من نسي أن المنصب مؤقت، وأن المظالم لا تسقط بالتقادم عند الله، وأن رضا أصحاب النفوذ لا يعوّض سخط المظلومين.
يا هؤلاء، إن الكراسي التي تتنازعون عليها اليوم ستخلو منكم غدًا، والأسماء التي تتصدر المشهد ستصبح ذكرى، والأبواب التي تُفتح لكم في الدنيا لن تُغني عنكم شيئًا إذا أُغلقت أبواب العمل وجاء يوم الحساب.
صرخة الفاروق التي نحتاج معناها اليوم ليست دعوةً إلى الهروب من المسؤولية، بل دعوةٌ إلى الخوف من تبعاتها، وأداء الأمانة قبل طلب المزيد منها.
فطوبى لمن تولّى فعدل، وقدر فأنصف، واستطاع أن يظلم فكفّ يده، وملك أن ينتقم فعفا، وخرج من منصبه تاركًا وراءه دعوات المظلومين بالخير، لا ملفات الشكاوى ودموع المقهورين.
ويا ليت كل واحد منا، قبل أن ينام، يسأل نفسه: هل أنصفتُ اليوم إنسانًا؟ هل ظلمتُ ضعيفًا؟ هل استعملتُ ما أملك من سلطة أو مال أو كلمة في نصرة الحق، أم جعلته وسيلةً لمصلحتي؟
يا زمان، سجّل صرختنا: ليست العبرة بمن جلس على الكرسي، بل بمن صان الأمانة فوقه. وليست العبرة بمن خرج من الدنيا غنيًّا بالجاه، بل بمن خرج منها خفيفًا من حقوق العباد.
اللهم ارزقنا قلوبًا تخشاك، وأيدٍ لا تظلم، ونفوسًا لا تغتر، وأعمالًا تشهد لنا لا علينا.
