حمد الترهوني يكتب.. «علي بيه مظهر».. عندما يسبق خيال المؤلف الواقع

By nagah hegazy
حمد الترهوني

شاهدت شخصية «علي بيه مظهر» التي جسدها الفنان الكبير محمد صبحي، في العمل الذي أبدع في كتابته المؤلف الراحل لينين الرملي. وقتها، كنت أعتقد أن هذه الشخصية مجرد خيال من خيال المؤلف، وأن ما تحمله من مفارقات وتصرفات وادعاء للمظاهر والقدرات ليس سوى مبالغة فنية صنعتها السينما لإضحاك الجمهور.

كنت أقول في نفسي: من الممكن أن يبتكر المؤلف شخصية غير تقليدية، وأن يبالغ في رسم تفاصيلها، لكن من الصعب أن نجد في حياتنا الحقيقية أشخاصًا يعيشون بهذه الطريقة، ويتعاملون مع الآخرين من خلال صورة يرسمونها لأنفسهم لا تعبر بالضرورة عن حقيقتهم.

لكن الحياة علمتني أن الواقع أحيانًا أكثر غرابة من السينما، وأن بعض الشخصيات التي نظنها مجرد خيال فني يمكن أن نلتقي بها يومًا ما، فنكتشف أن المؤلف لم يكن يبالغ بقدر ما كان يقرأ نماذج بشرية موجودة حولنا.
فمنذ قرابة عام، جمعتني الظروف بلقاء شخصية أعادت إلى ذاكرتي مشاهد «علي بيه مظهر»، واستحضرت أمامي تفاصيل العمل السينمائي بكل ما يحمله من إسقاطات ومفارقات. وقتها أدركت أن خيال المؤلف كان سابقًا لعصره، وأن ما كنت أعتبره مبالغة سينمائية قد يكون صورة من صور الواقع الذي نعيشه.
 
لكن هذا اللقاء لم يكن مجرد استعادة لذكريات عمل فني قديم، بل فتح أمامي بابًا لتساؤل أكبر: لماذا يصر بعض الأشخاص على ارتداء أقنعة ليست لهم؟ ولماذا يعيشون أدوارًا غير أدوارهم الحقيقية، ويحاولون الظهور أمام الآخرين بصورة تختلف تمامًا عن واقعهم؟
 
لماذا يحرص البعض على صناعة هالة من الأهمية حول أنفسهم، ويتعاملون وكأنهم أصحاب نفوذ أو مكانة استثنائية، بينما تكون الحقيقة مختلفة تمامًا؟ ولماذا لا يكتفي هؤلاء بتمثيل أدوارهم الوهمية، بل تمتد آثار هذا السلوك أحيانًا إلى الآخرين، فيتحمل المحيطون بهم نتائج قراراتهم وتصرفاتهم وحساباتهم الخاطئة؟
 
الأمر الأكثر إثارة للتأمل أن المشكلة ليست في أن يحلم الإنسان بمكانة أفضل أو يسعى إلى تحقيق طموحاته، فكل إنسان من حقه أن يحلم ويطمح، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول الحلم إلى ادعاء، والمظهر إلى وسيلة للخداع، وتصبح الصورة المصطنعة أهم من الحقيقة، ويُدفع الآخرون ثمنًا لأدوار لم يختاروها.
 
فالحياة لا تحتاج إلى ممثلين يجيدون تقمص الشخصيات، ولا إلى أشخاص يعيشون طوال الوقت داخل أدوار من صنع خيالهم، وإنما تحتاج إلى الصدق والوضوح واحترام عقول الناس ومشاعرهم ومصالحهم.
 
لقد تعلمت من هذه التجربة أن المظاهر قد تخدع لبعض الوقت، وأن الكلمات قد تصنع انطباعًا مؤقتًا، لكن المواقف وحدها تكشف حقيقة الأشخاص، وتضع كل إنسان في مكانه الطبيعي.
 
في النهاية، لم يعد «علي بيه مظهر» بالنسبة لي مجرد شخصية جسدها محمد صبحي ببراعة، وكتبها لينين الرملي بذكاء، بل أصبح عنوانًا لتساؤل عن نماذج قد نصادفها في حياتنا.. فهل المشكلة في خيال المؤلف الذي سبق عصره، أم في واقع أصبح يمنحنا شخصيات تفوق الخيال؟
Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!