الخاسر الأكبر من حرب إيران

صراع بلا منتصر تُهدد تداعياته الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة؛ والحل العسكري لن يحسم الأزمات، بل المفاوضات والسلام هما السبيل الوحيد لحماية الشعوب والمنطقة

By nagah hegazy

الخاسر الأكبر من حرب إيران

الخاسر الأكبر من حرب إيران
بقلم: أيمن بحر

ماذا جنت البشرية من الحروب غير الخراب والدمار، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع مستوى المعيشة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد حالات التفكك الأسري وتشريد الملايين من البشر؟

السؤال الأهم اليوم ليس فقط من انتصر في المواجهة بين إيران وإسرائيل ومن حقق أهدافه العسكرية والسياسية، ولكن من يدفع ثمن هذه المواجهة؟ ومن سيكون الخاسر الأكبر عندما تمتد تداعيات الحرب إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية؟

فالولايات المتحدة، التي ظلت لعقود تمثل إحدى أهم قاطرات الاقتصاد العالمي، تجد نفسها أمام تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة؛ في ظل ارتفاع تكاليف المواجهات العسكرية وتداعيات اضطراب أسواق الطاقة والتضخم، الذي ينعكس في النهاية على المواطن الأمريكي وعلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا جنت الولايات المتحدة من الانخراط في مواجهة تخدم في جانب منها أجندة حكومة بنيامين نتنياهو؟ لقد دفعت واشنطن ثمنًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا كبيرًا نتيجة اتساع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، كما أصبحت حماية القوات والمنشآت والقواعد الأمريكية في المنطقة أولوية متقدمة في حسابات واشنطن.

أما منطقة الخليج العربي، التي كانت لسنوات طويلة مركزًا للأمن والاستقرار والاستثمارات والطاقة والتجارة العالمية، فقد أصبحت أكثر عرضة للتوتر نتيجة امتداد الصراع إلى محيطها الاستراتيجي. ويأتي «مضيق هرمز» في قلب هذه الأزمة باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه لا يمثل مشكلة لدولة واحدة، وإنما يمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي بأكمله.

فإذا ارتفعت المخاطر الأمنية في المضيق، فإن شركات النقل والتأمين والطاقة تدفع الثمن، وترتفع تكاليف الشحن والنقل والطاقة والأسمدة والغذاء، وفي النهاية يتحمل المواطن في مختلف دول العالم جزءًا من هذه الفاتورة. وهنا يجب أن ندرك أن أزمة الطاقة ليست أزمة خليجية فقط، بل أزمة عالمية؛ لأن أي اضطراب كبير في تدفقات النفط والغاز ينعكس على الصناعة والنقل والزراعة وأسعار الغذاء وعلى حياة المواطنين في مختلف القارات.

والأمر نفسه ينطبق على الحرب الروسية الأوكرانية، التي ساهمت تداعياتها في زيادة الضغوط على أسواق الطاقة والغذاء والأسمدة، وأكدت أن الحروب الحديثة لم تعد محصورة داخل حدود الدول المتصارعة، وإنما أصبحت آثارها تصل إلى كل بيت في العالم.

أما السؤال الأكثر إثارة للجدل فهو: هل حققت إسرائيل أهدافها من الحرب على إيران؟ الإجابة تحتاج إلى قراءة هادئة بعيدًا عن الدعاية السياسية والعسكرية؛ فإذا كان الهدف إخضاع إيران بالكامل، أو إنهاء برنامجها النووي، أو تغيير النظام السياسي فيها، فإن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى أدلة واضحة ونتائج ملموسة، وليس مجرد إعلان الانتصار بعد الضربات العسكرية.

فالحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المنشآت التي تعرضت للقصف، وإنما تُقاس بالنتائج السياسية والاستراتيجية التي تتحقق بعد توقف العمليات العسكرية. ومن هذه الزاوية، فإن استمرار إيران كقوة إقليمية قادرة على التأثير في معادلات المنطقة يعني أن الحرب لم تنهِ الصراع، وإنما ربما نقلته إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.

كما أن إسرائيل تواجه منذ حرب غزة أزمة متزايدة في صورتها السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي، وأصبحت سياساتها محل انتقاد واسع في العديد من المحافل الدولية، وهو ما يضعها أمام تحديات سياسية لا تقل خطورة عن التحديات العسكرية. والولايات المتحدة نفسها ليست بمنأى عن هذه المراجعات، إذ أصبح داخل المجتمع الأمريكي نقاش متزايد حول حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل وتكاليف الانخراط العسكري في صراعات الشرق الأوسط.

لكن الملف الأخطر بالنسبة للعالم في المرحلة المقبلة هو حماية منشآت الطاقة وممرات التجارة الدولية. وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن الحل العسكري وحده لا يستطيع إنهاء جذور الصراعات في المنطقة.

فالتجربة اليمنية خلال السنوات الماضية تؤكد أن القوة العسكرية تستطيع إحداث أضرار كبيرة، لكنها لا تضمن بالضرورة إنهاء الصراع أو القضاء على الخصم بصورة نهائية. والحوثيون يمثلون نموذجًا واضحًا على صعوبة حسم بعض الصراعات عسكريًا في بيئات جغرافية وسياسية معقدة.

خاضت الولايات المتحدة وبريطانيا عمليات عسكرية ضد الحوثيين في البحر الأحمر ومحيطه، كما خاض التحالف العربي سنوات طويلة من العمليات العسكرية في اليمن، ومع ذلك بقيت الجماعة طرفًا مؤثرًا في المعادلة اليمنية والإقليمية. وهذا لا يعني تمجيدًا للحوثيين أو تأييدًا لسياساتهم، وإنما يعني أن قراءة التاريخ والجغرافيا وطبيعة المجتمعات المحلية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي حساب استراتيجي.

فاليمن عبر تاريخه الطويل كان مسرحًا لصراعات معقدة واجهت خلالها قوى إقليمية وإمبراطوريات كبرى صعوبة في فرض سيطرتها الكاملة على البلاد. والدرس الأهم هنا أن بعض الصراعات لا يمكن اختزالها في معادلة عسكرية بسيطة: طرف ينتصر وطرف ينهزم. فهناك عوامل اجتماعية وقبلية وجغرافية وتاريخية وفكرية تجعل الحل العسكري وحده عاجزًا عن تحقيق الاستقرار الدائم.

وهذا ينطبق بدرجات مختلفة على اليمن وإيران وأفغانستان وغيرها من المناطق التي أثبت التاريخ أن الحروب الطويلة فيها غالبًا ما تنتهي إلى طاولة المفاوضات بعد أن يكون الطرفان قد دفعا ثمنا باهظًا.

ومن هنا، فإن حماية أمن الخليج وحماية الملاحة الدولية وحماية منشآت الطاقة لا تحتاج فقط إلى المزيد من الأسلحة والتحالفات العسكرية، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى معالجة جذور الصراعات؛ فالحل الحقيقي يبدأ من طاولة المفاوضات.

إن الحوار بين الولايات المتحدة وإيران يجب ألا يكون خيارًا مؤجلًا إلى ما بعد سقوط المزيد من الضحايا أو ارتفاع أسعار الطاقة، وإنما يجب أن يكون أولوية سياسية لمنع اتساع دائرة الحرب. كما أن الأزمة اليمنية تحتاج إلى مسار سياسي شامل يضمن مصالح اليمنيين ويمنع استخدام اليمن كساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية.

والمنطقة العربية كلها تحتاج إلى رؤية جديدة تقوم على المصالح المشتركة وعلى مبدأ “رابح – رابح” بدلاً من منطق كسر الطرف الآخر أو إقصائه. فالدم السعودي غالٍ، والدم اليمني غالٍ، والدم الإيراني غالٍ، والدم الخليجي والمصري والتركي غالٍ، وكل إنسان في هذه المنطقة يستحق أن يعيش آمنًا مستقرًا بعيدًا عن القصف والخوف والدمار.

والسلام الحقيقي لا يعني أن ينتصر طرف على طرف، وإنما يعني أن يجد الجميع صيغة تحفظ أمنهم وكرامتهم ومصالحهم. ومن هنا يمكن للقوى الكبرى في المنطقة والعالم أن تلعب دورًا أكثر إيجابية في صناعة السلام بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد اندلاعها.

وقد أثبتت تجارب دبلوماسية مختلفة أن المصالح المشتركة يمكن أن تكون مدخلاً لإنهاء أزمات تبدو مستعصية إذا توفرت الإرادة السياسية. كما أن المنطقة تحتاج إلى معالجة أعمق للانقسام المذهبي والطائفي من خلال الحوار والتقارب واحترام التنوع الديني والمذهبي، ومنع توظيف الخلافات العقائدية في الصراعات السياسية. فالخلاف بين السنة والشيعة لا يجب أن يتحول إلى وقود دائم لحروب سياسية وعسكرية تستنزف شعوب المنطقة وتمنح القوى الخارجية فرصة للتدخل وإدارة الصراع.

وفي النهاية، فإن الخاسر الحقيقي من استمرار الحروب ليس طرفًا واحدًا؛ الخاسر هو الإنسان، والخاسر هو الاقتصاد العالمي، والخاسر هو أمن الطاقة، والخاسر هو مستقبل الأجيال القادمة، والخاسر هو كل دولة تنفق أموالها على الحرب بينما يحتاج شعبها إلى التعليم والصحة والعمل والتنمية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة السلام، وأن الانتصار العسكري المؤقت لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر الاستراتيجي. ولهذا، فإن الطريق الأكثر عقلانية للخروج من الأزمة هو العودة إلى طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والعمل على وقف التصعيد وبناء تفاهمات أمنية إقليمية، ومعالجة الملفات العالقة بصورة تدريجية وشاملة.

المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، وإنما تحتاج إلى مشروع سلام حقيقي؛ مشروع يحمي الإنسان، ويحافظ على أمن الطاقة، ويُؤمّن طرق التجارة، ويمنع انهيار الاقتصادات، ويضع مصالح الشعوب فوق حسابات الصراع.

لا يوجد منتصر حقيقي في الحرب عندما يدفع الأبرياء الثمن، أما السلام فهو الانتصار الوحيد الذي يمكن أن يربح فيه الجميع.

حفظ الله مصر وشعوب المنطقة من كل سوء، وحفظ دماء الأبرياء في كل مكان، ونشر السلام والأمن والأمان على أرضنا وفي العالم أجمع.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!