الذكاء الاصطناعي الفائق وفتنة الدجال: قراءة فكرية وعلمية

رؤية تأملية تجمع بين العلوم المعاصرة والدراسات الإسلامية في علامات آخر الزمان

By nagah hegazy
الدكتور منصور مالك — لندن

بقلم: الدكتور منصور مالك — لندن

نقلًا عن: الأستاذ إبراهيم عمران

هذه المقالة ثمرةُ تأملٍ فكري متواضع، يستند إلى دراستي الأكاديمية المعاصرة في جامعة لندن، وإلى تحصيلي المنهجي للعلوم الإسلامية والروحية وإجازاتي العلمية في مجمع أبي النور بدمشق، فضلًا عن سنوات طويلة من الدراسة والبحث، ولا سيما في موضوع علامات آخر الزمان.

ولا ينبغي أن تُفهم هذه الرؤية على أنها فتوى دينية قاطعة، أو حكم علمي متفق عليه، أو ادعاء بمعرفة الغيب، وإنما هي محاولة للتدبر في التحولات العلمية والتكنولوجية والاجتماعية الاستثنائية التي يشهدها عصرنا، وقراءتها في ضوء التعاليم الإسلامية وعلامات آخر الزمان. وقد تصيب هذه الرؤية وقد تخطئ، والعلم اليقيني عند الله وحده.

1. عصرنا: سهولة الوصول إلى المعرفة والتحذير النبوي

نعيش اليوم في عصر أصبحت فيه المعلومات والمعرفة في متناول الإنسان خلال لحظات. وما كان يحتاج في الماضي إلى شهور أو سنوات من البحث وجمع المعلومات، أصبح كثير منه ممكنًا اليوم خلال ساعات، بل أحيانًا خلال دقائق، بفضل الذكاء الاصطناعي (AI).

وفي نظري، فإن هذه التكنولوجيا الحديثة هي أيضًا وسيلة سخّرها الله للإنسان من خلال ما وهبه من عقل وقدرات. والسؤال الحقيقي ليس: هل التكنولوجيا خير أم شر؟ بل: كيف يستخدمها الإنسان، ولأي غاية؟

غير أن لهذه الثورة التكنولوجية وجهًا آخر؛ فقد أصبح البعض يخلط بين وفرة المعلومات وبين العلم الحقيقي. ونرى أحيانًا من يتصدر للحديث في المسائل الدينية اعتمادًا على ما يجمعه من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، من غير دراسة منهجية على أيدي العلماء، ولا تأصيل علمي، ولا إلمام كافٍ باللغة العربية وعلوم الشريعة.

وقد أخبر النبي محمد أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من صدور الناس، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا.

(صحيح البخاري: 100)

وفي عصرنا الحاضر، تبدو الحاجة إلى التأمل الجاد في هذا التحذير النبوي أشد من أي وقت مضى.

2. الذكاء الاصطناعي الفائق وعلاقته المحتملة بفتنة الدجال

لا يزال الذكاء الاصطناعي الحالي في مراحل متطورة ومتسارعة، بينما يُناقش اليوم مفهوم الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Superintelligence — Super AI)، أي احتمال ظهور أنظمة تتجاوز القدرات البشرية بدرجات كبيرة في بعض مجالات التحليل والمعرفة واتخاذ القرار.

وقد حذّر عدد من كبار المتخصصين في هذا المجال، ومنهم Geoffrey Hinton، من المخاطر المحتملة التي قد ترافق التطور الهائل للذكاء الاصطناعي.

وهنا يقودني بحثي إلى احتمال فكري مهم. ولا أقدمه بوصفه تفسيرًا قطعيًا للأحاديث، وإنما باعتباره قراءة معاصرة محتملة عند النظر إلى التكنولوجيا الحديثة في ضوء الأحاديث المتعلقة بالدجال.

وفقًا للأحاديث الإسلامية، فإن الدجال شخصية بشرية حقيقية، وهو المسيح الكذاب. ولكن من الممكن أن يستخدم في فتنته العظيمة أكثر الوسائل والأنظمة تطورًا المتاحة في عصره.

فإذا تطورت في المستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي الفائق، والروبوتات المتقدمة، والواقع الافتراضي والممتد، والأنظمة الذاتية، والشبكات الرقمية العالمية، إلى درجة تجعل التمييز بين الحقيقة والواقع المصطنع بالغ الصعوبة، فقد تصبح هذه الوسائل أدوات شديدة القوة في صناعة الخداع والتضليل.

3. الظواهر العجيبة لفتنة الدجال والتكنولوجيا الحديثة

تصف الأحاديث الصحيحة فتنة الدجال بأنها ستكون مصحوبة بأحداث وظواهر غير عادية تتجاوز المألوف في التجربة البشرية، ومن ذلك ما يتعلق بالمطر، وإنبات الأرض، والكنوز، ومظاهر تبدو للناس كأنها تتصل بالحياة والموت.

(صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، الحديث 2937 وما يتصل به من روايات)

وهنا تقتضي الأمانة العلمية توضيح أمر بالغ الأهمية:

الأحاديث لا تقول إن هذه الظواهر ستحدث بواسطة الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات أو أي تكنولوجيا محددة. وكيفية وقوعها الحقيقية يعلمها الله تعالى وحده.

ولكن السؤال الفكري الذي أطرحه هو: هل يمكن أن تصبح تقنيات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي الفائق والروبوتات والواقع فائق المحاكاة والأنظمة الرقمية شديدة القوة، من الوسائل الظاهرية أو الأدوات المساعدة في بعض جوانب الفتنة الدجالية؟

إن هذا الاحتمال يستحق التأمل، ولا سيما أننا نعيش بالفعل في عصر يستطيع فيه الإنسان إنتاج صور وأصوات وشخصيات وبيئات افتراضية مصطنعة يصعب أحيانًا تمييزها عن الحقيقة.

إن أعظم سلاح للدجال لن يكون القوة وحدها، بل الخداع والفتنة.

وحين يلبس الباطل ثوب الحقيقة، فلن تكون حماية الإنسان بالتكنولوجيا أو الذكاء وحدهما، وإنما بـ الإيمان والبصيرة والعلم وذكر الله وقوة الصلة به سبحانه وتعالى.

4. تقارب الزمان وتسارع العالم

ورد في الأحاديث ذكر تقارب الزمان ضمن علامات آخر الزمان. وفي عصرنا أدت التكنولوجيا والاتصالات والسفر الجوي والإنترنت والذكاء الاصطناعي إلى تقليص المسافات بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل.

فقد أصبحت آلاف الأميال تكاد تختفي من حيث سرعة انتقال الصوت والصورة والمعلومات.

ولا أقول إن هذا هو التفسير القطعي لحديث تقارب الزمان، ولكن سرعة عالمنا المعاصر وانكماش المسافات فيه يقدمان صورة عصرية تستحق التأمل في ضوء مفهوم تقارب الزمان.

5. فتنة الدجال عابرة وليست نهاية التاريخ

أهم ما ينبغي تأكيده في هذه الرؤية أن فتنة الدجال، مهما بلغت قوتها وخطورتها وقدرتها على إبهار الناس، لن تكون دائمة.

فسلطانه وخداعه وقوته الظاهرية ليست إلا ابتلاءً محدودًا.

ثم، بأمر الله تعالى، يكون النزول المبارك لسيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام. وتبين الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام سيتبع الدجال حتى يدركه عند باب لُدّ فيقتله.

(صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، الحديث 2937 وما يتصل به من روايات)

وهكذا تنتهي فتنة المسيح الكذاب أمام المسيح الحق، سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام.

ثم يأتي زمن يسوده العدل والأمن والبركة والتجدد الروحي، ويعود الإنسان إلى إدراك مكانته الحقيقية وعلاقته بخالقه، بدلًا من الخضوع المطلق للمادية والمال والقوة والخداع.

الخلاصة

هذه المقالة ليست دعوة إلى الخوف، وإنما هي دعوة إلى اليقظة الروحية، والاستعداد الفكري، وحماية الإيمان.

فالذكاء الاصطناعي في ذاته ليس الدجال، وإنما هو أداة قوية يمكن استخدامها في الخير كما يمكن إساءة استخدامها في الشر. ولكن إذا بلغ الذكاء الاصطناعي الفائق والتكنولوجيات المستقبلية درجة تؤثر بعمق في مفهوم الإنسان للحقيقة والمعرفة والاختيار وفي الأنظمة العالمية، فمن المشروع فكريًا أن نتساءل: هل يمكن أن تصبح بعض هذه الوسائل يومًا ما أدوات مساعدة في فتنة عالمية كبرى؟

ومع ذلك، فإن اعتماد المؤمن ليس على التكنولوجيا، ولا على أي نظام أو قوة بشرية، وإنما على الله سبحانه وتعالى.

مهما عظمت فتنة الدجال فهي عابرة،

ومهما اشتد الخداع فإن الحقيقة هي التي ستنتصر في النهاية.

ووفقًا للأحاديث الإسلامية الصحيحة، فإن المشهد الأخير من هذه المواجهة العظيمة سيكون هزيمة المسيح الكذاب، وانتصار المسيح الحق، سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام.

والله أعلم بالصواب.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!