بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة_ مصر
(مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات / أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب)
لم يعد التزوير في عصرنا الحديث مجرد حبر يُختلق على الأوراق، أو تلاعب عابر بأرقام خفيّة داخل صندوق مغلق؛ بل ارتقى للأسف ليغدو أعمق وأشد خطورة: إنه تزوير الضمائر وطمس العقول، في مهزلة كبرى تضرب في صميم منظومتنا الأخلاقية والفكرية.
في عالمٍ باتت فيه الشاشات والأسواق تلتهم كل قيمة أصيلة، تحولت الضمائر ذاتها إلى سلع رخيصة تخضع لقوانين العرض والطلب وقوة التسويق. العجيب حقاً أننا نرى فنون “التجارة الإعلامية” قادرة على قلب الموازين الهندسية للواقع؛ فتُقيم من الأقزام صروحاً وهمية، وترفع النكرات إلى مصاف العماليق وأصحاب الشأن، ليغدو المظهر براقاً على حساب الجوهر، وتصير الكلمات الفارغة المجلجلة أبلغ أثراً من الحقائق الصامتة المجردة.
وهنا يبرز السؤال المقلق: هل انحدرنا إلى عصر يصفق فيه الناس للباطل مجرد لأنه أُلبس حلة قشيبة وعُرِض ببراعة؟ وهل أصبحت الحقيقة الناصعة غريبة منبوذة لأنها تفتقر إلى صخب الدعاية وبريق الإعلان؟ إن تزوير الضمائر يظل أخطر بكثير من أي تزوير مادي؛ لأنه يغتال الروح، ويضلل مسار الفكر، ويدجن العقول لتقبل الزيف باعتباره حتمية واقعية.
إزاء هذا الطوفان، تفرض الأمانة الفكرية علينا أن نقف حراسًا أمناء على ضمائرنا وعقولنا، فلا نسمح لأدوات التسويق المضلل أن تعبث بقناعاتنا أو تشوه بصيرتنا النافذة. لنفتش دائماً عن الجوهر الخالص والحقيقة الناصعة، بغض النظر عن زيف المظاهر وبهارجها؛ فصلاح المجتمعات ونهضتها لا ينبثقان إلا من صحة الضمائر ونقاء العقول.
