الزجاج الذي يسكن أرواحنا بعد الستين

By nagah hegazy

بقلم: أ.د. أحمد سلامة

(مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات “الرياضيات الأدبية” )

حين يتجاوز الإنسان عتبة الستين، يصبح قلبه مثل زجاجٍ شفاف، يرى العالم من خلاله بصفاء، لكنه في الوقت ذاته هشّ، يتأثر بأبسط الكلمات، ويُجرَح من أدنى قسوة.

لم يعد العمر في تلك المرحلة ساحةً للصراع أو ميدانًا للجدل العقيم، بل صار مرآةً تعكس قيمة الكلمة الطيبة، ودفء الاهتمام، وصدق المودة.

لقد علّمتنا التجارب أن الحماقة والجلافة ليست مجرد صفات عابرة، بل خناجر تغرس في الروح، وأن الاستهانة بالإنسان تذبحه قبل أن يذبحه المرض أو الموت.

في المقابل، الكلمة الطيبة قادرة أن تعيد للزجاج بريقه، وأن تزرع في القلب نورًا يبدّد عتمة السنين.

نحن جيلٌ لن يتكرر، جيلٌ صنعته التجارب القاسية والحنان النادر، جيلٌ لا يملك قطع غيار، لأن كل واحدٍ منا هو نسخة فريدة من كتاب الحياة.

نحن الذين حملنا الوطن في قلوبنا، وحملنا الأحلام على أكتافنا، وواجهنا قسوة الأيام بصلابةٍ لا يعرفها إلا من عاشها.

بعد الستين، لا نطلب الكثير: كلمة صادقة، لمسة وفاء، نظرة احترام.

نطلب أن يُعاملنا العالم كما يُعامل الزجاج الثمين، بحذرٍ ورفق، لا كشيءٍ قابل للكسر، بل ككنزٍ لا يُعوّض.

إنها معادلة العمر: كلما تقدّم بنا الزمن، ازدادت حاجتنا إلى الرحمة، وقلّت قدرتنا على احتمال الجفاء.

فليكن شعارنا أن نزرع الطيب في القلوب، ونحفظ للزجاج نقاءه، حتى يظل الضمير حيًّا، وإن مات النبض.

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!