بقلم :هناء حمادة
واعظة معتمدة بوزارة الأوقاف المصرية
تظل الشمائل المحمدية نموذجًا متكاملًا لجمال السيرة النبوية وعظمة الأخلاق، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هديه مقصورًا على العبادات، وإنما امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية كافة، من لباسه وطريقة تعامله مع أهله وأصحابه وخدمه، إلى منطقه وصمته، وانتقائه للألفاظ والأسماء، ليقدم للأمة مدرسة متكاملة في التواضع والرحمة وحسن الخلق وجمال السلوك.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس ما تيسر له من لباس أهل بلده وثقافته دون تكلف، ولم يكن اللباس عنده وسيلة للتفاخر أو إظهار المكانة، بل كان عنوانًا للتواضع والبساطة. وكان الأبيض أحب الألوان إليه، وقد حث على لبسه، كما لبس الأخضر، ولبس حلة حمراء، وكان القميص من أحب الثياب إليه، كما لبس الحِبَرَة، وهي نوع من البرود اليمانية المصنوعة من القطن.
وكان صلى الله عليه وسلم يلبس العمامة ويرخي طرفها بين كتفيه، ويبدأ في لبس ثيابه باليمين، وإذا لبس ثوبًا جديدًا سماه باسمه، ثم حمد الله وسأله خيره وخير ما صنع له. ومع ذلك كله لم يعرف عنه التكبر في لباسه، بل كان يلبس الغليظ والخشن مما توفر، ونهى عن ثياب الشهرة التي يقصد بها الخيلاء أو لفت الأنظار، لتظل البساطة والتواضع من أبرز سمات هديه الشريف.
وتجلت عظمة النبي صلى الله عليه وسلم بصورة أكبر في معاملاته مع الناس، فكان أرحم الناس بأهل بيته، وقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وكان يكون في مهنة أهله، فيساعدهم في أعمال البيت، فإذا حضرت الصلاة خرج إليها، فيقدم بذلك نموذجًا عمليًا في المشاركة والرحمة وحسن العشرة.
وكان صلى الله عليه وسلم مع خادميه مثالًا فريدًا في الرحمة والرفق، فقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه، الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، إنه ما قال له «أف» قط، ولا قال لشيء صنعه: لم صنعته؟ ولا لشيء تركه: لم تركته؟ وهي صورة عظيمة من صور حسن المعاملة التي تجعل الإنسان قدوة بأفعاله قبل أقواله.
ومع أصحابه وعامة الناس كان بسوط الوجه، دائم البشر، يصافح من لقيه ولا ينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، وكان يجيب دعوة الحر والعبد والمسكين، دون تكبر أو تمييز. وفي البيع والشراء كان سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، وكان يحسن قضاء الدين، بل يزيد فوق حق صاحبه، وقال: «إن خياركم أحسنكم قضاءً».
أما منطقه صلى الله عليه وسلم فكان صورة أخرى من صور الكمال الأخلاقي؛ فقد أوتي جوامع الكلم، فكان يتحدث بالكلام القليل الذي يحمل المعاني الكثيرة والواضحة، وكان كلامه فصلًا، ليس بالهَذِّ المسرع المفرط ولا بالمنقطع، وإنما يتحدث بتؤدة وترسل، حتى إن السامع لو أراد أن يعد كلماته لأحصاها.
وكان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثًا في بعض الأحيان إذا اقتضى المقام ذلك، حتى تعقل وتفهم عنه، وكان جهير الصوت، حسن النغمة، لا يتكلم في غير حاجة، ويحفظ لسانه إلا فيما يعنيه، لتصبح الكلمة في هديه مسؤولية، والحوار أدبًا، والصمت حكمة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أثر الكلمة والاسم على النفس، لذلك كان يتخير الأسماء والألفاظ ذات المعاني الجميلة، ويغير الاسم القبيح إلى الحسن، فغيّر اسم عاصية إلى «جميلة»، وغيّر اسم حَزْن إلى «سهل»، كما غيّر اسم «برة» إلى زينب أو جويرية، كراهة أن يُزكى الإنسان نفسه.
وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة والتشاؤم، ويفرح بالأسماء التي تحمل معاني طيبة مثل سالم وغانم وناجح، كما كان عفيف اللفظ، فلم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخّابًا في الأسواق، وكان يتخير ألطف الألفاظ، ومن هديه قوله: «لا يقل أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي»، تنزهًا عن اللفظ القبيح.
ويظهر جمال هديه صلى الله عليه وسلم في تسمية الحسن والحسين رضي الله عنهما، فقد حرص على اختيار أسماء تحمل معاني الجمال والخير، بعيدًا عن بعض الأسماء الجاهلية التي كانت تحمل معاني الحرب والشدة والقوة. وتروي الروايات أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أراد أن يسمي ابنه «حربًا»، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن اسمه، فلما علم به قال: «بل هو الحسن»، ثم جاء اسم الحسين على النهج نفسه.
وقد تميز الاسمان بالتناسق والترابط اللفظي، فهما من جذر لغوي واحد يرتبط بالحُسن والجمال، كما يحملان نغمة متناسقة تعكس شدة الترابط بين الأخوين، ولم يقتصر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهما على التسمية، بل أحاطهما بالمحبة والتكريم، وكان يكني الحسن بأبي محمد، ووصف الحسن والحسين بأنهما من ريحانته من الدنيا، وورد في فضلهما ومكانتهما أنهما سيدا شباب أهل الجنة.
وهكذا تكشف الشمائل المحمدية عن منظومة متكاملة من الجمال الإنساني والأخلاقي؛ ففي اللباس تواضع، وفي المعاملة رحمة، وفي الكلام حكمة، وفي الصمت أدب، وفي اختيار الأسماء عناية بالمعنى، وفي التعامل مع الناس رفق ورحمة.
إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن عظمة الإنسان لا تقاس بما يرتديه أو بما يملكه، وإنما بما يحمله قلبه من رحمة، ولسانه من طيب، وسلوكه من تواضع، ومعاملته للآخرين من حسن خلق، فكانت حياته صلى الله عليه وسلم تطبيقًا عمليًا لمعاني الأخلاق والقيم، ونورًا يهدي إلى مكارم الأخلاق.
صلوات ربي وسلامه عليك سيدي يا رسول الله.
