الجبهة الوطنية.. من «مصر للجميع» إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي

قراءة في مسيرة حزبٍ وُلد حديثًا ويدخل الآن مرحلة اختبار التنظيم والحضور الميداني

By nagah hegazy
بقلم: د/ رمضان بلال
 
في السياسة، لا تُقاس حياة الأحزاب بعدد الأيام التي مرت على تأسيسها، وإنما بقدرتها على الانتقال من فكرة معلنة إلى تنظيم قادر على العمل، ومن أسماء كبيرة في التأسيس إلى قواعد حقيقية في الشارع.
ومن هنا تأتي قصة حزب الجبهة الوطنية؛ حزب مصري حديث النشأة، ظهر إلى المشهد السياسي في نهاية عام 2024، ورفع منذ لحظة انطلاقه شعار «مصر للجميع»، ثم انتقل خلال فترة زمنية قصيرة من مرحلة التأسيس إلى استكمال البناء القانوني والتنظيمي، ثم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وصولًا إلى إعادة ترتيب هياكله الداخلية في عام 2026.
 

البداية.. 30 ديسمبر 2024

في 30 ديسمبر 2024، أُعلن رسميًا تدشين حزب الجبهة الوطنية خلال فعالية بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور مجموعة واسعة من الشخصيات السياسية والعامة والأكاديمية والمجتمعية.
وكان اللافت منذ البداية أن الهيئة التأسيسية ضمت شخصيات ذات خلفيات متعددة، بينهم وزراء سابقون ونواب وشخصيات عامة وأكاديميون وإعلاميون ورموز مجتمعية، وبلغ عدد أعضاء الهيئة التأسيسية المعلن عنها 54 عضوًا.
ولم يكن الشعار مجرد عنوان احتفالي؛ فقد ركز البيان التأسيسي على المشاركة الشعبية، والتعددية، والحوار، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، وتقديم نموذج حزبي يسعى إلى الجمع بين خبرات الأجيال وطاقات الشباب.
كانت الرسالة الأولى إذن واضحة:
الحزب يريد أن يبدأ من مساحة واسعة، لا من إطار سياسي ضيق.

من التأسيس إلى الشرعية القانونية

بعد إعلان التدشين بدأت الخطوة الأصعب والأكثر هدوءًا: استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لتأسيس الحزب.
وفي 10 فبراير 2025، وافقت لجنة الأحزاب السياسية على تأسيس حزب الجبهة الوطنية وقبول الإخطار المقدم من الدكتور عاصم عبد الحميد حافظ الجزار، وكيل مؤسسي الحزب، ليتمتع الحزب بالشخصية الاعتبارية ويباشر نشاطه السياسي وفقًا للقانون. ونُشر القرار في الجريدة الرسمية في 11 فبراير 2025.
وبذلك انتقل الحزب من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة الكيان الحزبي القانوني.
ثم أعلن الحزب اختيار الدكتور عاصم الجزار رئيسًا، والسيد محمد مرزوق القصير أمينًا عامًا وفق النظام الأساسي المعتمد.
وهنا بدأت مرحلة مختلفة تمامًا:
مرحلة بناء المؤسسات، والأمانات، والكوادر، والهياكل الجغرافية والنوعية.

الاختبار الحقيقي.. من القاعات إلى الميدان

كل حزب يستطيع أن يعقد مؤتمرًا كبيرًا، وأن يعلن أسماء شخصيات بارزة في هيئته التأسيسية.
لكن الاختبار الحقيقي لأي تنظيم سياسي يبدأ عندما يغادر قاعة المؤتمر ويتجه إلى المحافظات، والمراكز، والأقسام، والقرى، والشارع.
وهذا هو المسار الذي دخلته الجبهة الوطنية خلال عام 2025، مع توسع العمل التنظيمي والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية.
وقد ظهر اسم الحزب في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب لعام 2025، وكان السيد القصير قد اضطلع بدور تنظيمي بارز خلال الاستحقاقات الانتخابية، وفق ما أوردته تقارير صحفية عند انتقاله لاحقًا إلى موقع نائب رئيس الحزب.
وفي انتخابات مجلس النواب 2025، ظهر مرشحو الحزب ضمن المنافسة الانتخابية، كما أظهرت النتائج المنشورة أسماء فائزين عن الحزب في مراحل مختلفة من الانتخابات.
وهنا يمكن تسجيل محطة مهمة في عمر الحزب:
الجبهة الوطنية لم تكتفِ بتأسيس كيان حزبي على الورق، وإنما دخلت سريعًا إلى اختبار الانتخابات والعمل العام.

يناير 2026.. إعادة توزيع الأدوار

ومع انتقال الحزب إلى مرحلة جديدة، ظهرت الحاجة إلى إعادة توزيع بعض الأدوار القيادية.
وفي يناير 2026، تولى السيد القصير منصب نائب رئيس الحزب بعد اعتذاره عن الاستمرار أمينًا عامًا للتفرغ لدوره البرلماني، بينما كُلّف المستشار محمد عمران بأعمال الأمين العام في إطار استكمال الهيكل التنظيمي.
وهذه النقطة ليست تفصيلًا إداريًا عابرًا.
فالحزب الذي يخوض تجربة سياسية وانتخابية يحتاج إلى إدارة تنظيمية تستطيع الربط بين القيادة المركزية والأمانات الجغرافية والنوعية، وتحويل الرؤية العامة إلى برامج وتحركات ميدانية.

سبتمبر 2026.. الجبهة تعيد ترتيب الصفوف

وفي سبتمبر 2026، دخل حزب الجبهة الوطنية مرحلة جديدة من إعادة البناء التنظيمي.
فقد أصدر الدكتور عاصم الجزار القرار رقم 2 لسنة 2026، متضمنًا تعيين قيادات جديدة في عدد من الأمانات النوعية والمواقع الجغرافية بالمحافظات، في إطار استكمال البناء التنظيمي وتعزيز العمل الجماهيري والميداني.
وفي القاهرة تحديدًا، جرى تعيين:
اللواء جمال موسى السيد عبد الباري أمينًا لمحافظة القاهرة،
واللواء علي الدمرداش أمينًا مساعدًا،
واللواء الدكتور محمد عبد الرحيم الألفي أمينًا للتنظيم.
واللافت أن الحركة التنظيمية لم تقتصر على القاهرة؛ فقد شملت محافظات وأمانات نوعية أخرى، مع توجه معلن نحو تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، وتوسيع المشاركة، وإتاحة أدوار أكبر للشباب والمرأة والكفاءات.

القاهرة.. العاصمة التي لا تقبل العمل التقليدي

ومن هنا يمكن فهم اجتماع أمانة العاصمة الذي عُقد في 24 سبتمبر 2026، بحضور المستشار محمد عمران، النائب الأول لرئيس الحزب والأمين العام، واللواء جمال عبد الباري أمين العاصمة، واللواء الدكتور محمد الألفي أمين التنظيم، إلى جانب عدد من قيادات وأمناء الأمانة.
الرسالة التي خرجت من الاجتماع تبدو واضحة:
المرحلة المقبلة ليست مرحلة تثبيت أسماء، وإنما مرحلة تثبيت أداء.
فحديث القيادات عن تجاوز سلبيات المرحلة السابقة، وبناء عام حزبي جديد، واستكمال الهياكل، وتكثيف العمل الميداني، يعكس محاولة للانتقال من مجرد البناء التنظيمي إلى تنظيم أكثر اتصالًا بالمواطن.
وهنا تحديدًا تصبح القاهرة اختبارًا خاصًا.
فالعاصمة ليست محافظة عادية داخل الخريطة الحزبية؛ إنها مساحة سياسية وإعلامية وجماهيرية شديدة الحساسية، وأي نشاط فيها ينعكس بدرجة كبيرة على الصورة العامة للحزب.

ماذا تقول رحلة الجبهة الوطنية حتى الآن؟

إذا نظرنا إلى المسيرة منذ ديسمبر 2024 حتى سبتمبر 2026، سنجد عدة محطات متتابعة:
تأسيس سياسي → شرعية قانونية → بناء تنظيمي → مشاركة انتخابية → إعادة توزيع للمهام → إعادة هيكلة للأمانات → تركيز أكبر على العمل الميداني.
وهذا التسلسل يوضح أن الحزب ما زال في مرحلة بناء مؤسسي مبكرة نسبيًا، وأن جزءًا كبيرًا من المرحلة المقبلة سيعتمد على قدرته على تحويل الهيكل التنظيمي إلى نشاط مستمر يشعر به المواطن.
فالسياسة لا تعيش بالأمانات وحدها، ولا بالمؤتمرات وحدها، ولا بالأسماء الكبيرة وحدها.
السياسة تبدأ عندما يصبح التنظيم قادرًا على الاستماع إلى الناس، وفهم مشكلاتهم، والتواصل معهم، وتحويل ما يسمعه إلى عمل مؤسسي يمكن قياسه ومراجعته.
وما بعد القاهرة؟
المشهد الحالي يضع أمام الجبهة الوطنية تحديًا واضحًا:
هل تستطيع الحركة التنظيمية الجديدة أن تتحول إلى حضور جماهيري مستدام؟
هذا سؤال للمستقبل، وليس حكمًا على الحاضر.
لكن المؤكد أن قرارات سبتمبر 2026، وما تبعها من إعادة ترتيب للأمانات، تشير إلى أن قيادة الحزب تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة تتطلب مزيدًا من التنظيم والانضباط والتواجد الميداني والتنسيق بين المستويات المختلفة.
ومن هنا يمكن قراءة اجتماع القاهرة الأخير باعتباره أحد فصول إعادة ترتيب البيت الداخلي، لا نهاية القصة.
فالحزب الذي بدأ بشعار «مصر للجميع» أصبح أمام اختبار أكبر:
أن يجعل هذا الشعار ممارسة سياسية وتنظيمية يلمسها المواطن في حياته اليومية.
وهنا فقط يبدأ الفصل الأصعب من الحكاية…
فالتأسيس قد يصنع حزبًا،
والانتخابات قد تمنحه حضورًا،
لكن الميدان وحده هو الذي يختبر قدرته على الاستمرار.
 

 

Share This Article
Leave a review

"شاركنا برأيك.. يسعدنا سماع وجهة نظرك"

error: Content is protected !!